إن تحويل هذه الرؤية الملكية إلى واقع عملي يستدعي تجاوز ردود الفعل المؤقتة التي قد تصاحب الأحداث الكبرى، حيث تتسارع الجهات المعنية إلى عقد الاجتماعات وإطلاق المبادرات، ثم يتراجع الاهتمام بها تدريجيا. فمكافحة التطرف تتطلب سياسة وطنية مستدامة، تقوم على إجراءات تشريعية وإدارية وتنفيذية واضحة، تخضع للمراجعة والتقييم المستمر، انطلاقا من أن الوقاية أكثر فاعلية من الاكتفاء بمواجهة آثار الجرائم بعد وقوعها.
فعلى المستوى التشريعي، يثور التساؤل حول مدى كفاية القوانين النافذة، وفي مقدمتها قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وتعديلاته، لمواجهة مظاهر التطرف والتعصب الديني. فرغم أهمية هذا التشريع في تجريم الأفعال الإرهابية والأنشطة المرتبطة بها، وتقرير عقوبات مشددة تصل في بعض الحالات إلى الإعدام، فإن الضرورة تقتضي دراسة مدى الحاجة إلى إطار قانوني أكثر تخصصا يعالج مظاهر التطرف والتحريض على الكراهية والتمييز، قبل أن تتطور إلى أعمال عنف وإرهاب.
وفي هذا السياق، تبرز التجربة الإماراتية، ممثلة بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2023 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف، بوصفها تجربة تشريعية تستحق الدراسة. فقد عرّف المشرع الإماراتي التطرف بأنه كل عمل يقوم به شخص أو جماعة بدافع أفكار أو أيديولوجيات أو قيم أو مبادئ، من شأنه الإخلال بالنظام العام أو ازدراء الأديان أو التمييز أو إثارة خطاب الكراهية، الذي يشمل كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات.
ولم يكتف القانون الإماراتي بوضع هذه التعريفات، بل جرّم أفعالا متعددة، منها استغلال الدين لتكفير الأفراد أو الجماعات لأغراض غير مشروعة، والاعتداء على دور العبادة، وترويج المواد التي تتضمن تحريضا على الكراهية أو التمييز. كما اعتبر القانون أن ارتكاب بعض جرائم التطرف والكراهية داخل دور العبادة ظرفا مشددا للعقوبة، بما يعزز الحماية القانونية للأماكن الدينية، ويسهم في صون السلم المجتمعي.
ومن الجوانب المهمة في التشريع الإماراتي أنه لم يقتصر على العقوبات الجزائية، بل تضمن تدابير وقائية وتأهيلية، منها جواز إيداع مرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها فيه في مركز متخصص للمناصحة، إذا توافرت خطورة تطرفه واحتمال ارتكابه جريمة أخرى، وذلك بحكم قضائي بناء على طلب النيابة العامة، مع إخضاع حالته للمراجعة الدورية.
غير أن مواجهة التطرف لا تتحقق بالتشريعات وحدها، بل تتطلب ترسيخ سيادة القانون وقيم المواطنة وقبول الآخر واحترام التعددية الدينية والاجتماعية، ولا سيما لدى الأجيال الشابة. ويقتضي ذلك جهودا مؤسسية مستمرة تشارك فيها المدارس والجامعات والمؤسسات الدينية والثقافية، لتعزيز الوعي بالحقوق والواجبات الدستورية، وترسيخ مبدأ أن اختلاف الرأي والمعتقد لا ينتقص من المواطنة أو المساواة أمام القانون.
وعلى المستوى التنفيذي، تبرز الحاجة إلى مراجعة الخطة الوطنية لمواجهة التطرف بما يواكب التحديات الراهنة، وتفعيل آليات تنفيذها من خلال تحديد الأولويات والمسؤوليات وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية والأمنية والدينية والتعليمية. وينبغي أن تتضمن الخطة المحدثة برامج مستدامة للتوعية والتدخل المبكر والتأهيل الفكري والسلوكي وإعادة الإدماج المجتمعي، مع وضع جداول زمنية ومؤشرات واضحة لقياس النتائج وتقييم الأداء، بما يضمن استمرارية الجهود وفاعليتها، بعيدا عن نهج الفزعة وردود الفعل الآنية.
لقد أكدت جريمة حمود أهمية مواجهة التطرف قبل أن يتحول إلى اعتداءات على الأرواح ودور العبادة. فنجاح الدولة في مكافحة الإرهاب لا يقاس فقط بقدرتها على ملاحقة مرتكبيه ومعاقبتهم، وإنما بفاعلية سياساتها الوقائية في التصدي للفكر الذي يغذي العنف والكراهية، وصون الوحدة الوطنية والنسيج المجتمعي.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية