فراغٌ يبحث عمّن يملؤه
ينشأ الإرهاب حين تلتقي ثلاثة عناصر: بيئة مأزومة تبدأ من الأسرة، وسردية تقسم العالم إلى "نحن" الطاهرين و"هم" الأشرار فتبرر العنف وتنزع الإنسانية عن الآخر، وتنظيمٌ يحوّل الفكرة إلى فعل. فالفكرة وحدها نادرًا ما تقتل؛ التنظيم هو من يمنح الانتماء والمهمة والسلاح. وخلافًا للشائع، فإن معظم الإرهابيين ليسوا مرضى نفسيين، بل أناس عاديون يحملون احتياجات لم تُشبَع: شاب يعيش أزمة هوية بسبب تضارب الخطابات التي يسمعها؛ فخطاب دور العبادة يختلف عن خطاب المدرسة والجامعة، وكلاهما يختلف عن خطاب الشارع والمجتمع، أو يشعر أنه بلا قيمة ويبحث عن معنى وبطولة، أو يحمل إحساسًا سلبيًا تجاه المجتمع، أو يعاني عزلة مقرونة بتفكك أسري أو صدمة لم يتعافَ منها. وهنا يأتي المتطرف بوعد مغرٍ: هوية جاهزة، وعائلة بديلة، وإجابات قاطعة لا تحتمل الشك.
صيّادٌ صبور
التجنيد لا يبدأ بالعقيدة ولا بالسلاح، بل بالاهتمام. يرصد المجنِّد ضحيته عبر الأصدقاء أو منصات التواصل والألعاب الإلكترونية، فيقترب منها بدفء لم تعرفه من قبل، ثم يضخّم احتياجاتها ومطالبها ويربطها بقضية كبرى، ويزرع الشك في أسرتها ودولتها ومجتمعها وعلمائها حتى يعزلها عنهم، ويلقّنها الفكر جرعة جرعة، ثم يطلب منها أفعالًا صغيرة تكبر حتى يصبح التراجع مستحيلًا. وأخطر ما في هذه الرحلة أن الضحية يظن حتى النهاية أنه هو من اختار. ولهذا الانزلاق علامات ينبغي ألا تفوت الأسرة: انقطاع مفاجئ عن الأصدقاء القدامى وظهور رفاق غامضين، وسرية مفرطة في استخدام الهاتف، ولغة تكفيرية تحقّر الآخرين، ورفض لسلطة الأسرة والعلماء المعروفين، وتعاطف مع العمليات الإرهابية، وحديث عن الرحيل أو "الاستشهاد". علامة واحدة لا تكفي للحكم، لكن اجتماعها وتصاعدها جرس إنذار.
حوارٌ مع إنسان غائب
ما تقوله الدراسات يؤكده الميدان. فمن خلال تجربتي الميدانية، أستطيع القول إن الحديث مع إرهابي في غرفة الاستجواب يختلف عن الحديث مع أي مجرم آخر. القاتل بدافع الثأر أو المال يراوغ ويبرّر وينفعل، وتشعر أمامه أنك تحاور إنسانًا يملك دوافعه. أما الإرهابي، فالحوار معه أشبه بالحوار مع روبوت أو خوارزمية: إجابات جاهزة مكررة، ولا تشعر أنه يعبّر عن نفسه بكامل إرادته أو عن فكر متأصل فيه، بل وكأنه يتكلم بالنيابة عن غيره. والأمر ذاته في ساحة الاشتباك. فالجندي الذي يقاتل عن عقيدة يقاتل ليعيش وينتصر، فيحسب حركته ويركّز في تصويبه. أما الإرهابي فيطلق النار بلا تكتيك ولا دقة ولا تركيز، وكأنه يعرف حتمية مصيره؛ يائسًا، مضطربًا، وكأنه تحت تأثير ما يسلبه السيطرة على نفسه. إنه الدليل الحي على أن عقله لم يعد ملكه؛ لقد اختُطف، وحلّ مكان إرادته صوت الجماعة.
الدين غطاء لا سبب
حصر الإرهاب في الدين خطأ علمي وعملي معًا. فقد عرف العالم إرهابًا يساريًا وقوميًا وعرقيًا ويمينيًا متطرفًا، واستُغلّت أديان مختلفة لتبرير القتل. بل كشفت وثائق مسرّبة أن كثيرًا من المنضمين إلى التنظيمات المتطرفة كانت معرفتهم الدينية ضعيفة جدًا. فالدوافع الحقيقية متشابكة بين السياسي والاقتصادي والنفسي والشخصي، والدين في كثير من الأحيان مجرد لغة وغطاء. ولذلك كانت المعرفة الدينية الصحيحة حصانة لا خطرًا، فالمتطرفون يستهدفون عمدًا من يجهلون دينهم. وأبلغ دليل على ذلك أن معظم ضحايا الإرهاب في الشرق الأوسط مسلمون. فالفكر التكفيري لا يستهدف "الآخر" المختلف دينيًا فحسب، بل ينظر إلى عامة المسلمين على أنهم مرتدون يستحقون القتل، فيفجّر المساجد والأسواق ويقتل المصلين في صلاتهم. ثم تمتد دائرة الاستهداف إلى أديان وأعراق متعددة، بحسب التوجيه الذي ترسمه الجماعة ونمطها الفكري. فكيف يكون الدين دافعًا لمن يقتل أتباعه قبل غيرهم؟ ويتضح ذلك أكثر حين ننظر إلى إرهاب الدولة. فبعض الدول تمارس الإرهاب مباشرة بالعنف المنظم، أو تنشئ جماعات ترفع شعارًا دينيًا أو قوميًا بينما تنفذ أجندتها، أو تشتري خدمات تنظيمات قائمة بالتمويل والتسليح والدعم اللوجستي والطبي والاستخباري. والهدف هو الضغط السياسي على دولة أخرى أو ضربها من الداخل دون كلفة الحرب المعلنة. وهكذا يقاتل كثير من العناصر ظنًا منهم أنهم يدافعون عن عقيدة، وهم أدوات في صراع لا يعرفون أطرافه؛ وهذا ما يفسر لماذا يتكلم الإرهابي في التحقيق "بالنيابة"، فقراره لم يكن يومًا قراره.
مواجهة أوسع من البندقية
الحل الأمني ضروري لا غنى عنه، فهو الذي يحبط العمليات ويحمي الأرواح، لكنه وحده يعالج النتيجة ويترك المنبع مفتوحًا. المواجهة الحقيقية تبدأ في البيت، حيث الحوار والحضور العاطفي، فمن يجد من يسمعه في بيته لا يبحث عمّن يسمعه في الظلام. وتمتد إلى المدرسة التي تبني التفكير النقدي وتغرس قيم الحوار واحترام الاختلاف، ودور العبادة التي تقدم خطابًا معتدلًا يجيب عن أسئلة الشباب، والاقتصاد الذي يفتح أبواب الأمل، والإعلام الذي يفضح أساليب المجنّدين، وبرامج إعادة التأهيل التي تستعيد من غُرّر بهم. وكل ذلك يحتاج إلى استراتيجية وطنية شاملة تُراجع باستمرار لتواكب تطور الإرهاب وأدواته. والأردن من الدول التي سلكت هذا الطريق، إذ أعدّ استراتيجية وطنية لمواجهة التطرف منذ عام 2014، تتكامل فيها الأجهزة الأمنية مع مؤسسات الثقافة والأوقاف والتربية والتنمية الاجتماعية، وتُطوَّر لتتناسب مع تطور الإرهاب والعوامل المساعدة على انتشاره. وقد انتبهت القيادة الهاشمية مبكرًا إلى هذا الخطر، فجاءت رسالة عمّان عام 2004 تأكيدًا لصورة الإسلام السمح، وأطلق جلالة الملك عبد الله الثاني مبادرة العقبة عام 2015 لتنسيق الجهود الدولية.
لقد تعرّض الأردن للإرهاب منذ نشأته، لا بسبب أزمات داخلية، بل بسبب موقعه في قلب إقليم مضطرب ومواقفه الثابتة. ومن اغتيال الملك المؤسس، إلى تفجيرات فنادق عمّان، إلى استشهاد الطيار معاذ الكساسبة وأحداث الكرك، دفع الأردن ثمن مواقفه دمًا. ولولا قيادة هاشمية حكيمة، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية محترفة قدّمت الشهداء، لتعرّض الأردن لعمليات أكبر وأكثر. الإرهاب لا يبدأ بانفجار، بل بفراغ في المعنى والانتماء والعدالة. والمتطرف يسارع إلى ملئه بأجوبة سهلة وعائلة بديلة. وإن أردنا أن ننتصر، فعلينا أن نسبقه إليه.