حذّرت الكاتبة الأميركية أنيكا كولير نافاروللي الصحفيين من استخدام أوصاف تُضفي صفات بشرية على أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل القول إنها «تمرّدت» أو «خرجت عن السيطرة»، معتبرة أن هذه اللغة تُضلل الجمهور وتمنح شركات التكنولوجيا فرصة للتنصل من مسؤوليتها عن أخطاء أنظمتها وقيودها.
وفي مقال نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة، أوضحت نافاروللي أن أنسنة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد مسألة لغوية، بل تؤثر في طريقة فهم الجمهور لهذه التقنية، وتُبعد الانتباه عن القرارات البشرية التي تقف وراء تصميمها وتطويرها.
واستهلت الكاتبة مقالها بموقف طريف خلال إجازتها الصيفية، حين اكتشفت أن أحد أبناء إخوتها، وهو طفل في المرحلة الابتدائية، استطاع الاتصال بشبكة الإنترنت في الفندق مستعينا بكلمة مرور عرفها خلال إقامة سابقة. وتساءلت ساخرة عما إذا كان الطفل قد «خرج عن السيطرة» أو بلغ مستوى من «الذكاء الفائق»، قبل أن تخلص إلى أنه ببساطة طفل يجيد اكتشاف الأنماط ويملك دافعا قويا للوصول إلى هدفه.
واستخدمت نافاروللي هذه الحادثة لتوضيح وجهة نظرها بشأن ما تصفه شركات الذكاء الاصطناعي بأنه تمرد من أنظمتها، مؤكدة أن السلوك غير المتوقع لا يعني أن الآلة تمتلك إرادة مستقلة أو وعيا بشريا.
لغة تُخفي المسؤولية
ترى الكاتبة أن إضفاء الصفات البشرية على الحواسيب ممارسة قديمة سبقت ظهور النماذج اللغوية الكبيرة. واستشهدت بواقعة إطلاق أوبن إيه آي روبوت دردشة بصوت بدا شديد الشبه بصوت الممثلة سكارليت جوهانسون في فيلم «هي» الصادر عام 2013، قبل أن تحجب الشركة ذلك الصوت.
وتقول نافاروللي إن تقديم الأنظمة على أنها كيانات بشرية يجعل الجمهور ينظر إلى مخرجاتها وأخطائها باعتبارها تصرفات صادرة عن آلة لها إرادة، بدلا من مساءلة الجهات التي صممتها وحددت آلية عملها.
وتزداد المشكلة، بحسب الكاتبة، عندما يتبنى الصحفيون المصطلحات التي تستخدمها شركات التكنولوجيا في وصف منتجاتها. ولهذا حذّرت وكالة أسوشيتد برس الصحفيين من تصوير أنظمة الذكاء الاصطناعي على أنها كيانات تفكر أو تشعر أو تريد أو تفهم، ودعتهم إلى التركيز على آلية عملها، ومدى كفاءتها، والجهات التي طورتها، والأشخاص الذين قد يتأثرون بها.
بدائل لغوية ومصادر موثوقة
توصي نافاروللي الصحفيين بالاستعانة بخبراء الإحصاء وعلوم الحاسوب والبيانات لفهم المصطلحات التقنية بدقة، والرجوع إلى أبحاث نقدية تتناول حدود الذكاء الاصطناعي وطريقة عمله.
كما تدعو إلى استبدال المفردات التي توحي بامتلاك الآلة صفات بشرية بتعبيرات أكثر دقة؛ فبدلا من الحديث عن «إجابات» روبوتات الدردشة، يمكن استخدام كلمة «مخرجات»، بما يساعد على وصف ما تنتجه الأنظمة من دون الإيحاء بأنها تفكر أو تفهم بالطريقة البشرية.
وتستشهد الكاتبة بموقف الباحثة إميلي بندر، الأستاذة في جامعة واشنطن، التي تؤكد أن الادعاءات الاستثنائية تحتاج إلى أدلة استثنائية، في إشارة إلى ضرورة التعامل بحذر مع المبالغات المتعلقة بقدرات الذكاء الاصطناعي ووعيه المزعوم.
تضخيم المخاوف يخدم الشركات
تؤكد نافاروللي أن مهمة الصحفيين ليست إثارة الضجة حول الذكاء الاصطناعي أو ترديد التحذيرات التي تطلقها الشركات بشأن مستقبل البشرية، بل تقديم تغطية دقيقة تستند إلى الأدلة وتوضح القدرات الفعلية لهذه التقنية وحدودها.
وترى أن تصوير الأنظمة على أنها أكثر وعيا واستقلالية مما تثبته الأدلة قد يعزز القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا، ويساعد في صناعة ثروات جديدة مع استعداد بعض هذه الشركات لطرح أسهمها في البورصة. كما قد يمنحها نفوذا أكبر في النقاش المتعلق بتنظيم التقنية، عبر ترسيخ فكرة أنها الأقدر على فهم أنظمتها والتحكم فيها.
وفي ختام مقالها، كشفت نافاروللي أنها استعانت بملخصات غوغل المولدة بالذكاء الاصطناعي للعثور على بعض الروابط، لكنها قالت إنها أصبحت تتجنب استخدام هذه الأدوات منذ بدأت الإفصاح علنا عن استخدامها لها، بسبب شعورها بالحرج من الاضطرار إلى الاعتراف بذلك.
وتختم الكاتبة بمفارقة لافتة: قد تدفع الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي الصحفيين، في بعض الأحيان، إلى الامتناع عن استخدامه من الأساس.