منذ قرون، ظل الإنسان يراقب الشمس ليحدد الوقت، قبل أن تنتقل مهمة ضبط الساعات إلى الآلات الميكانيكية، ثم الساعات الذرية فائقة الدقة. ومع تطور التكنولوجيا، لم يعد قياس الزمن مجرد وسيلة لتنظيم الحياة اليومية، بل أصبح أساسا لعمل الأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات والأنظمة الرقمية.
لكن دقة الساعات الذرية كشفت مفارقة علمية؛ فبينما تقيس الذرات الزمن بانتظام شديد، لا تدور الأرض حول محورها بسرعة ثابتة تماما. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يُعرف بـ«الثانية الكبيسة»، التي استُخدمت لعقود للحفاظ على التقارب بين التوقيت الذري ودوران الأرض.
من الشمس إلى الساعات الذرية
قبل ظهور وسائل قياس الزمن الحديثة، كانت المدن تضبط ساعاتها وفقا لحركة الشمس، ما أدى إلى اختلاف التوقيت المحلي من مكان إلى آخر. وكان هذا الاختلاف محدود الأثر عندما كانت الرحلات تستغرق أياماً، لكنه تحول إلى مشكلة مع توسع السكك الحديدية في القرن التاسع عشر.
ففي بريطانيا، بدأت شركات السكك الحديدية اعتماد توقيت موحد لمحطاتها منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، مستندة إلى توقيت غرينتش المتوسط. ثم أسهم التلغراف في نقل إشارات الوقت، قبل أن يرسخ المؤتمر الدولي لخط الطول، المنعقد في واشنطن عام 1884، مكانة غرينتش مرجعا رئيسيا لقياس خطوط الطول.
ومع تطور الساعات الميكانيكية، تحسنت دقة قياس الوقت، لكن التحول الأكبر جاء مع ظهور الساعات الذرية، التي تعتمد على الخصائص الفيزيائية للذرات بدلا من حركة التروس أو دوران الأرض.
وفي عام 1967، اعتمد العلماء تعريفا للثانية يستند إلى ذرة السيزيوم-133، بحيث تساوي الثانية مدة 9 مليارات و192 مليونا و631 ألفا و770 دورة من الإشعاع المرتبط بانتقال ذري محدد.
لماذا ظهرت الثانية الكبيسة؟
على الرغم من دقة الساعات الذرية، فإن دوران الأرض يتأثر بعوامل متعددة، منها حركة الغلاف الجوي والمحيطات والتغيرات داخل الكوكب، إضافة إلى تأثير المد والجزر الناتج عن جاذبية القمر والشمس.
وتؤدي هذه العوامل إلى تغيرات طفيفة في طول اليوم، في حين تستمر الساعات الذرية في قياس الزمن بمعدل شديد الانتظام.
ولمعالجة هذا الاختلاف، بدأ العمل بالثانية الكبيسة عام 1972، بهدف إبقاء الفارق بين التوقيت العالمي المنسق (UTC) والتوقيت الفلكي المرتبط بدوران الأرض ضمن أقل من 0.9 ثانية.
وعندما يقتضي الأمر، تُضاف ثانية إلى التوقيت العالمي، فتظهر لحظة استثنائية هي 23:59:60 قبل الانتقال إلى اليوم التالي. ومنذ اعتماد هذا النظام، أُضيفت 27 ثانية كبيسة، كانت آخرها في نهاية عام 2016.
غير أن هذا الحل، الذي بدا مناسبا في البداية، أصبح مصدر تحديات تقنية مع توسع الأنظمة الرقمية التي تحتاج إلى مزامنة دقيقة ومتواصلة.
قرار ينهي تعديلات الثواني
في أكتوبر/تشرين الأول 2026، اتخذ المؤتمر العام للأوزان والمقاييس قرارا بتغيير آلية التعامل مع الثانية الكبيسة، على أن يبدأ تطبيقه في 20 مايو/أيار 2027.
ويتيح القرار استمرار التوقيت العالمي المنسق دون إضافة الثواني الكبيسة أو حذفها، مع السماح بتراكم الفارق بين التوقيت الذري والتوقيت الفلكي إلى حد أقصى جديد يبلغ 3600 ثانية، أي ساعة واحدة.
ولا يعني ذلك أن العالم سيضيف ساعة كاملة أو يحذفها في عام 2027، بل إن الفارق سيتزايد تدريجيا مع مرور الزمن، وقد يستغرق بلوغ ساعة كاملة قرونا.
وجاء هذا التوجه لتقليل مخاطر الاضطرابات التي قد تنتج عن إدخال ثانية إضافية أو حذف ثانية من أنظمة الحواسيب والاتصالات وشبكات الطاقة والخدمات الرقمية. فهذه الأنظمة لا تتعامل جميعها مع الثانية الكبيسة بالطريقة نفسها، وقد يؤدي اختلاف المعالجة إلى أخطاء في ترتيب الأحداث أو مزامنة الأجهزة.
وتزداد المخاوف من احتمال الحاجة مستقبلا إلى ثانية كبيسة سالبة، أي حذف ثانية بدلا من إضافتها، وهي خطوة لم تُنفذ من قبل في نظام التوقيت العالمي المنسق.
هل تتأثر الأقمار الصناعية والملاحة؟
قد يبدو أن التخلي عن الثانية الكبيسة سيؤثر في دقة تحديد المواقع، لكن أنظمة الملاحة الفضائية لا تعتمد جميعها على التوقيت العالمي المنسق بالطريقة نفسها.
فنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، على سبيل المثال، يستخدم توقيتا ذريّا خاصا لا تُضاف إليه الثواني الكبيسة، ويختلف حاليا عن التوقيت العالمي المنسق بـ18 ثانية.
وتعتمد دقة الملاحة على حساب زمن انتقال الإشارات بين الأقمار الصناعية وأجهزة الاستقبال، إلى جانب معرفة موقع الأرض واتجاهها بدقة. لذلك فإن إيقاف تعديلات الثواني الكبيسة لا يعني تجاهل دوران الأرض، إذ ستظل المؤسسات العلمية تراقب تغيراته وتوفر البيانات اللازمة للحسابات الفلكية والملاحية.
وبعبارة أخرى، يهدف القرار إلى الفصل بين انتظام قياس الزمن الذري والتغيرات الطبيعية في دوران الكوكب، وليس إلى إهمال تلك التغيرات.
من يحدد توقيت العالم؟
لا تنفرد دولة واحدة بتحديد الوقت العالمي، بل يستند النظام إلى تعاون علمي دولي تشارك فيه معاهد القياس ومؤسسات متخصصة.
ويؤدي المكتب الدولي للأوزان والمقاييس دورا محوريا في حساب التوقيت العالمي المنسق اعتمادا على بيانات ساعات ذرية موزعة في مختبرات حول العالم، فيما يتولى المؤتمر العام للأوزان والمقاييس اعتماد القرارات المتعلقة بمعايير القياس الدولية.
وتعكس هذه المنظومة انتقال قياس الزمن من الاعتماد على الملاحظات الفلكية المحلية إلى نظام عالمي موحد يستند إلى الفيزياء الدقيقة والتعاون بين الدول.
هل انتهى عصر غرينتش؟
لا يعني القرار إلغاء توقيت غرينتش أو تغيير خط الطول المرجعي الذي يحمل اسمه. فهناك فرق بين توقيت غرينتش المتوسط، الذي ارتبط تاريخيا بالحركة الظاهرية للشمس، والتوقيت العالمي المنسق، الذي يستند إلى الساعات الذرية.
وفي الاستخدام المدني اليومي، تتطابق قراءة التوقيتين في كثير من السياقات، لكنهما يختلفان في الأساس العلمي والتعريف الدقيق.
كما لن يؤدي القرار إلى تغيير المناطق الزمنية للدول، إذ ستظل الفروق المعتمدة محليا قائمة ما لم تقرر السلطات المختصة تعديلها.
وفي الوقت نفسه، يواصل العلماء تطوير ساعات ذرية بصرية أكثر دقة، قد تمهد لإعادة تعريف الثانية مستقبلا، إلى جانب أبحاث تهدف إلى إنشاء مرجع زمني خاص بالقمر، حيث تؤثر الجاذبية والحركة في معدل مرور الزمن.
وهكذا، لا تمثل نهاية الثانية الكبيسة نهاية التوقيت العالمي، بل تحولا في طريقة تنظيمه؛ فبعد أكثر من نصف قرن من محاولة إبقاء الساعات الذرية متوافقة مع دوران الأرض، يتجه العالم إلى إعطاء الأولوية لاستمرارية الزمن الرقمي، مع مواصلة رصد حركة الكوكب وفهم تغيراتها.