تبدأ الحكاية بمقطع لا تتجاوز مدته دقيقة، وتنتهي بمشاهد يقضون وقتًا طويلًا في البحث عن بقية الأحداث. هذا ما تفعله مسلسلات «المايكرو دراما» المنتجة بالذكاء الاصطناعي، التي انتشرت مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي، مستقطبة ملايين المشاهدات بفضل قصصها المشوقة وحلقاتها القصيرة التي تدفع الجمهور إلى مواصلة المشاهدة.
ومن بين الأعمال التي لاقت انتشارًا واسعًا في العالم العربي مسلسل «عروس في عالم المافيا»، الذي تنقلت حلقاته بين الصفحات بأسماء وترجمات مختلفة، وأثار فضول المتابعين لمعرفة نهاية القصة، رغم ملاحظة كثيرين أن مشاهده وشخصياته صُنعت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
صناعة سريعة وأرباح متزايدة
تُعرف «المايكرو دراما» بأنها مسلسلات قصيرة مصممة أساسًا للمشاهدة عبر الهواتف المحمولة، وتتكون غالبًا من 60 إلى 100 حلقة، لا تتجاوز مدة الواحدة منها دقيقة أو دقيقة ونصف، مع اعتماد التصوير الرأسي الذي يلائم شاشات الهواتف.
ولا تكمن جاذبيتها في قصر مدة الحلقات فحسب، بل في أسلوب سرد يعتمد على إنهاء كل حلقة بمفاجأة أو موقف معلّق، يثير فضول المشاهد ويدفعه إلى البحث عن الحلقة التالية.
وبحسب تقديرات شركة أبحاث السوق «أومديا»، بلغت الإيرادات العالمية لهذه الصناعة نحو 11 مليار دولار خلال عام 2025، فيما استحوذت الصين على الحصة الأكبر، بسوق قُدرت قيمتها بنحو 9.4 مليارات دولار، وقاعدة جماهيرية تجاوزت 830 مليون مشاهد.
وساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز نمو هذا القطاع، عبر تقليل تكاليف الإنتاج واختصار الوقت اللازم لإنجاز الحلقات. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة الحلقة قد تتراوح بين 430 و1200 دولار، مع إمكانية إنتاج مسلسل مؤلف من 100 حلقة خلال عشرة أيام فقط.
من مقطع عابر إلى ظاهرة على مواقع التواصل
بدأت قصة «عروس في عالم المافيا» بالانتشار خارج منصته الأصلية، قبل أن تجد طريقها إلى صفحات عربية على فيسبوك وتيك توك ويوتيوب، حيث أعادت حسابات متعددة نشر حلقاتها مترجمة، ما ساعد على وصولها إلى جمهور أوسع.
وتروي إسراء نجيب، وهي ربة منزل مصرية وأم لثلاثة أطفال، أنها صادفت المسلسل على صفحتها الرئيسية في فيسبوك في سبتمبر/أيلول الماضي. ورغم أنها ليست من متابعي المسلسلات القصيرة، وجدت نفسها مندمجة في الأحداث وتبحث عن بقية الحلقات، رغم إدراكها أن العمل أُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي.
أما مايسة مصطفى، فخاضت تجربة مشابهة، إذ انتقلت بين صفحات مختلفة في محاولة للوصول إلى الحلقات المفقودة، معتقدة في البداية أن متابعة بقية العمل تتطلب تحميل تطبيق خاص، قبل أن تواصل البحث عنه عبر مواقع التواصل.
وتكشف هذه التجارب كيف يمكن لمقطع قصير أن يتحول إلى رحلة بحث مستمرة، لا تتوقف بانتهاء الفيديو، بل تبدأ بعدها بمحاولة العثور على بقية القصة.
ملايين المشاهدات ومنافسة بين الصفحات
لم يقتصر تأثير المسلسل على المشاهدين، بل امتد إلى أصحاب الصفحات الذين وجدوا في انتشاره فرصة لجذب الجمهور وزيادة التفاعل.
ويقول أمير الجزائري، مدير صفحة «هذه هي قصتي»، إن مطالبات المتابعين بنشر المسلسل مترجمًا ومرتبًا دفعته إلى البحث عن حلقاته في منصات وصفحات متعددة، بعدما كانت صفحته تركز على نشر القصص والحكايات المكتوبة.
كذلك حققت صفحة «خربشات» أكثر من مليون مشاهدة خلال ثلاثة أيام، وفقًا لمديرها، الذي أشار إلى أن الإقبال الجماهيري الواسع كان أحد أسباب نشر العمل، لافتًا إلى أن قصته العاطفية، التي تجمع رجلًا قويًا بامرأة مظلومة، جذبت شريحة كبيرة من الفتيات.
ويعكس هذا الانتشار قدرة القصص القائمة على الحب والصراعات والتحولات المفاجئة على اجتذاب الجمهور، خصوصًا عندما تُقدَّم في قالب سريع يسهل تداوله ومشاركته.
إعادة النشر تفتح ملف حقوق الملكية
مع انتقال المسلسل بين مئات الصفحات والمجموعات، ظهرت تساؤلات حول حقوق الملكية الفكرية، ومدى قانونية إعادة نشر الحلقات وتحقيق عوائد مالية منها.
ويشير بعض أصحاب الصفحات إلى أنهم يضيفون تعديلات على المقاطع المنشورة بهدف الحفاظ على العوائد المالية، لكن إجراء تغييرات على الفيديوهات لا يعني بالضرورة امتلاك حقوق استخدامها أو الحصول على إذن من أصحاب العمل الأصليين.
من جهته، يرى الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن الانتشار المفاجئ قد يكون جزءًا من استراتيجية تجارية تستهدف تحقيق الأرباح، سواء من خلال تداول المقاطع أو دفع الجمهور إلى البحث عن الحلقات الكاملة والاشتراك في المنصات الأصلية.
ومع ذلك، يستبعد عبد الخالق أن تحقق هذه الأعمال ازدهارًا مماثلًا في العالم العربي، معتبرًا أن بعضها يعتمد على الإثارة والتشويق أكثر من اهتمامه بالجوانب الفنية وجودة الكتابة والإنتاج.
لماذا يصعب التوقف عن المشاهدة؟
لا يرتبط نجاح هذه المسلسلات بقصر حلقاتها فقط، بل بالطريقة التي تُبنى بها أحداثها لتوليد الرغبة في مواصلة المشاهدة.
ويشير عالم النفس في هونغ كونغ كين فونغ إلى أن النهايات المعلقة والتحولات المفاجئة قد تجعل المشاهد يستمر في المتابعة حتى عندما يرى أن القصة بسيطة أو مبالغ فيها. فكل حلقة تطرح سؤالًا جديدًا، وتترك جزءًا من الحكاية دون إجابة، ما يحفز الفضول ويؤجل لحظة التوقف.
وتتداخل هذه الآلية مع الشعور بالمكافأة السريعة؛ إذ يحصل المشاهد على جرعات متتابعة من الإثارة والانفعال دون الحاجة إلى تخصيص وقت طويل أو بذل جهد ذهني كبير.
وتشير دراسة صينية منشورة عام 2026، بعنوان «تطوير وتأكيد مقياس تحفيز إدمان الدراما القصيرة»، إلى مجموعة من العوامل التي قد تفسر التعلق بهذا النوع من المحتوى، أبرزها الإشباع النفسي والخيالي، وسهولة المتابعة، والتشتيت المصحوب بمكافآت سريعة، فضلًا عن توفير شعور مؤقت بالتواصل والانتماء عبر الشخصيات والعلاقات الخيالية.
وبذلك، تتحول مشاهدة الحلقات إلى دائرة متكررة: نهاية مثيرة تخلق فضولًا، وفضول يقود إلى حلقة جديدة، ثم إلى مزيد من البحث عن الأحداث التالية.
وفي ظل انخفاض تكاليف الإنتاج وسهولة توزيع المحتوى، تبدو الدراما القصيرة المصنوعة بالذكاء الاصطناعي نموذجًا جديدًا لصناعة الترفيه الرقمي، حيث لا تقتصر المنافسة على جودة القصة، بل تمتد إلى القدرة على خطف انتباه المشاهد وإبقائه متصلًا لأطول وقت ممكن.