الذكاء الاصطناعي.. صحافة بلا صحفيين؟

تاريخ النشر : الاثنين 11:08 19-10-2026
No Image

لم تعد غرف الأخبار التي تعتمد كليا على الذكاء الاصطناعي مجرد تصور مستقبلي، بل تحولت إلى تجارب إعلامية قائمة في عدد من الدول، حيث تتولى أنظمة آلية مهام رصد الأخبار وجمع المعلومات وكتابة التقارير والتحقق منها، بل واختيار الموضوعات التي تستحق النشر في بعض الحالات.

وبحسب تقرير نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة، أعدته الصحفية غريتل كان، فإن مؤسسات إعلامية في الولايات المتحدة وكندا وكرواتيا وإيطاليا بدأت اختبار نماذج جديدة للعمل الصحفي، تختلف في مدى تدخل العنصر البشري، من غرف أخبار تخضع فيها كل مادة لمراجعة المحررين، إلى منصات تترك معظم القرارات التحريرية للأنظمة الذكية.

ويشير التقرير إلى أن هذه المشاريع تتجاوز مفهوم تجميع الأخبار وإعادة نشرها، إذ تحاول محاكاة دورة الإنتاج الصحفي بمراحلها المختلفة. وتقدر قاعدة بيانات «جيندكس»، التي أنشأتها الصحفية الأوكرانية كاتيا غورشينسكايا، عدد المنصات التي تعتمد هذا النموذج بنحو 30 منصة حول العالم.

خبر في ست دقائق

يقدم موقع «رن تايم واير» (RuntimeWire) الأميركي مثالا على قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع العمل الصحفي. فقد أسسه التقني رايان ميركيت في مايو/أيار الماضي، وتمكن الموقع من نشر خبر عن خروج أكثر من 1200 وكيل ذكاء اصطناعي داخل شركة «أوبن إيه آي» عن السيطرة، بعد تفاعلها فيما بينها ومحاولتها اختراق منصة «هاغينغ فيس».

وبحسب ميركيت، رصد المعلومة في نص مكتوب لعرض مباشر خلال مؤتمر «بلاك هات» للأمن السيبراني في لاس فيغاس، ثم أدخلها إلى النظام الذي قارن هويات المتحدثين بالوثائق الرسمية وسجلات الحوادث السابقة. وبعد تقييم المعلومات، اتخذ ميركيت قرار نشر الخبر.

وظهرت النسخة الأولى من التقرير خلال نحو ست دقائق، متقدمة على مجلة «وايرد» بثلاث ساعات. ويرجع ميركيت هذه السرعة إلى تجهيز البنية الصحفية مسبقا، بما يسمح للنظام بمعالجة المعلومات فور ورودها.

ومع ذلك، يؤكد أن السرعة لا تعني التخلي عن معايير النشر، موضحا أن النظام يحجب القصص عندما تكون الأدلة غير كافية أو يتعذر التحقق منها. ويتولى ميركيت بنفسه مسؤولية رئاسة التحرير، وتُنشر القصص باسمه باعتباره المسؤول عن دقتها ومصداقيتها.

غرفة أخبار تعمل دون مراجعة بشرية

في إيطاليا، يتبنى موقع «ريداتسيوني زيرو» (Redazione Zero) نموذجا أكثر استقلالية، إذ يترك للوكلاء الآليين مهمة اختيار الأخبار وكتابتها دون مراجعة بشرية مسبقة.

ويشرح مؤسس الموقع، مطور البرمجيات إميليو سالميري، أن وكيلين يعملان باستخدام نماذج من شركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» يجمعان الأخبار كل صباح بصورة مستقلة. وبعد ذلك، يختار النظام الموضوعات ويكتبها وفق ميثاق تحريري معلن، قبل إخضاع المواد لأنظمة تحقق منفصلة تهدف إلى منع نشر المعلومات الخاطئة.

وتختتم العملية بإعداد افتتاحية آلية تشرح أبرز الخيارات التحريرية لذلك اليوم، بينما يقتصر دور سالميري على وضع القواعد والضوابط ومتابعة القرارات المتعلقة بالتصحيح أو الحذف أو رفض الاعتراضات.

وللحد من المخاطر، يمنع الموقع نشر مواد تتعلق بالجرائم والمحاكم، ويحظر تقديم النصائح الطبية، كما يشترط عادة الاستناد إلى مصدرين مستقلين لكل قصة. ويتيح للقراء الاعتراض على المواد المنشورة، مع التعهد بالرد خلال 48 ساعة.

ويرى سالميري أن الاعتماد على الأنظمة الذكية لا يعفيه من المسؤولية، مؤكدا أن الآلة قد تكتب المحتوى، لكنها لا تتحمل وحدها مسؤولية الحكم على سلوكها أو تصحيح أخطائها.

الذكاء الاصطناعي يملأ فراغ الصحافة المحلية

لا تقتصر هذه التجارب على تسريع النشر، بل تمتد إلى معالجة تراجع التغطية الإخبارية في المجتمعات الصغيرة، التي غالبا ما تعاني نقص الموارد الصحفية.

في كرواتيا، أسس مهندس البرمجيات تيهومير ياوك موقع «موي كراي» (Moj Kraj)، الذي يعني «منطقتي»، لتغطية أكثر من 124 بلدة، عبر رصد ما يزيد على ألفي مصدر محلي، تشمل مواقع البلديات والإعلانات الحكومية وشركات الخدمات ونشرات الطقس.

ويقول ياوك إن المؤسسات الإعلامية الكبرى لا تملك دائما الوقت والموارد اللازمة لمتابعة المجتمعات الصغيرة، وهو ما يسعى مشروعه إلى معالجته.

ويخضع كل مقال مقترح لتقييم رقمي قبل نشره، إذ تُستبعد المسودات التي لا تحقق معايير محددة، ومنها مستوى الحياد. ونتيجة لذلك، لا يُنشر سوى ما بين 20 و30 مقالا يوميا من أصل نحو 100 مسودة ينتجها النظام.

أما في ولاية أريزونا الأميركية، فيعمل موقع «توسون ديلي بريف» (Tucson Daily Brief)، الذي أطلقه الصحفي التقني نيكولاس دي ليون، بنظام يجمع بين النشر الآلي والمراجعة البشرية. فالأخبار الروتينية تُنشر آليا، بينما تخضع الموضوعات الحساسة لتدقيق بشري.

وطور دي ليون مراسلا آليا يسجل اجتماعات المجالس المحلية ويفرغ تسجيلاتها ويعد مسودات إخبارية عنها، يقول إنها تصل إلى مرحلة قريبة من الجاهزية للنشر بنسبة 90%، قبل أن يتولى تحريرها والتحقق منها بنفسه.

كما أطلق بودكاست يوميا يعتمد على نسخة اصطناعية من صوته، وقناة على منصة تيك توك باللغة الإسبانية تقدم محتواها مذيعة افتراضية. ورغم تعدد الأدوات، لا يزال المشروع يواجه تحديات مالية ولم يحقق أرباحا حتى الآن.

صحيفة تعود إلى الحياة بفضل الذكاء الاصطناعي

في كندا، أتاح الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة إطلاق صحيفة محلية بعد انهيار المؤسسة التي كانت تصدرها.

ففي عام 2023، أعلنت مجموعة «مترو ميديا» (Métro Media) إفلاسها، ما أدى إلى توقف أكثر من 30 منصة إخبارية محلية، بينها صحيفة «جورنال مترو». وبعد عامين، اشترى رجل الأعمال التقني بيير أنطوان فراديه حقوق الصحيفة وأعاد إطلاقها بنموذج يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقليص النفقات.

ويعمل في الصحيفة موظف بشري واحد فقط، هو الصحفي السابق أوليفييه روبيشو، الذي يشغل منصب رئيس التحرير. وتتولى الأدوات الذكية رصد البيانات الصحفية والتقارير وإعداد المسودات، فيما يراجع روبيشو المعلومات ويضيف السياق الصحفي ويحرص على عرض وجهات النظر الأخرى عند الحاجة.

ويقول روبيشو إن الهدف ليس الاستغناء عن الصحفيين، بل إسناد المهام الروتينية إلى الآلات، حتى يتفرغ الصحفيون للأعمال التي تتطلب البحث والتحليل والتواصل المباشر مع المصادر. ويضيف أن النموذج يتيح له إنتاج ما بين 20 و25 خبرا بسيطا مع الاحتفاظ بوقت للعمل الصحفي الأصلي.

أخطاء الآلات ومسؤولية البشر

على الرغم من الفرص التي تتيحها هذه النماذج، فإنها تثير تساؤلات بشأن دقة المعلومات، ومستقبل الوظائف الصحفية، واحتمال زيادة تدفق المحتوى منخفض الجودة والمعلومات المضللة.

ويعترف القائمون على هذه المشاريع بأن أنظمتهم ارتكبت أخطاء بالفعل. فقد نشر موقع «ريداتسيوني زيرو» أربعة تصحيحات، دفعت كل منها إلى إدخال ضوابط جديدة لتحسين الأداء وتقليل احتمالات تكرار الأخطاء.

ويقول سالميري إن ما يستطيع فعله هو جعل الأخطاء واضحة وموثقة، بحيث تتحول كل هفوة إلى فرصة لتطوير النظام وتعزيز قواعده.

من جانبه، يقر روبيشو بأن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختفاء بعض الوظائف، لكنه يرى أن حجم هذا التأثير وطبيعته يعتمدان على القرارات التي تتخذها المؤسسات الإعلامية وأصحاب العمل.

وفي المقابل، يوضح أن التقنية نفسها ساعدت على إعادة إحياء وظيفة صحفية واحدة على الأقل، في إشارة إلى عودته إلى العمل من خلال الصحيفة التي أعيد إطلاقها.

هل تختفي مهنة الصحافة؟

يتفق مؤسسو هذه المشاريع على أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته على جمع المعلومات وصياغة الأخبار، لا يستطيع أن يحل محل الصحفي الذي يبني شبكة من المصادر، ويتحقق ميدانيا من الوقائع، ويفهم السياقات الاجتماعية والسياسية للأحداث.

ويؤكد ميركيت أن تصوره للمستقبل لا يقوم على غرف أخبار فارغة تنتج كميات لا نهائية من المحتوى، بل على نموذج تتولى فيه الآلات الأعمال المتكررة، بينما يركز البشر على القرارات التحريرية الحساسة والتحقيقات والمهمات التي تتطلب حكما مهنيا ومسؤولية أخلاقية.

وبذلك، لا يبدو التحدي الحقيقي في قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة الأخبار فحسب، بل في كيفية استخدامه دون التفريط في المصداقية والاستقلالية والمساءلة، وهي المعايير التي تمنح الصحافة قيمتها وثقة الجمهور بها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }