الرواشدة: ضرورة تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية لمكافحة التطرف
اصطف أردنيون من مختلف أنحاء الوطن في ساحة كنيسة الروم الأرثوذكس في منطقة الصويفية بالعاصمة عمان، يوم الجمعة؛ تنديدا بالهجوم الإرهابي، الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، واستشهد على اثرها 9 وأصيب 34 آخرون، مطالبين بإيقاع أشد العقوبات بحق هؤلاء الإرهابيين.
ويؤكد هذا المشهد متانة المجتمع الأردني وقوة روابطه، وأن مثل هذه الأفعال «المشينة» لن تزيد الأردنيين إلا صلابة وتماسكا، وأن الرصاصات الغادرة لن تنجح في شق صفوفهم.
وهو ما أكده جلالة الملك بقوله: «... ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا. جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين، دم الأردني غالٍ، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد».
إن هذه الأفعال تصدر عن مجموعة «نشاز» لا تمت إلى القيم الإنسانية والدينية والأخلاقية بصلة؛ ما يتطلب منا جميعا، على المستويين الرسمي والشعبي، وقفة جادة لمكافحة الفكر المتطرف وخطاب الكراهية ومواجهة أسبابه بشتى الوسائل.
ولا يمكننا تجاهل بعض السلوكيات التي يمارسها أفراد في بيئات مختلفة، بدءا من المؤسسات التعليمية وصولا إلى منصات التواصل الاجتماعي، مثل «تكفير» الآخر والتحريض عليه، وغيرها من الممارسات التي تزرع الخوف وانعدام الأمان لدى الأشخاص المختلفين في آرائهم ومعتقداتهم.
وهذا ما يستدعي تكاتف الجهود لمواجهة الأفكار المتطرفة، وتجفيف منابعها، وتطبيق القانون على من يحرض على الكراهية أو يروج للعنف، بما يسهم في حماية المجتمع وتعزيز التماسك بين أبنائه.
ويبرز السؤال هنا، كيف يمكن تعزيز المسؤولية المشتركة في مواجهة التطرف وخطاب الكراهية؟ وما الدور الذي تستطيع الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية القيام به لترسيخ الوعي، وتعزيز قيم المحبة واحترام الآخر، وتحويلها إلى ممارسة يومية؟
في هذا السياق، ترى أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الدكتورة ميساء الرواشدة، أن الأحداث المؤلمة التي شهدها الأردن تضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة لتعزيز الوعي ومواجهة الفكر المتطرف وخطاب الكراهية، من خلال تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، وترسيخ قيم المحبة واحترام الإنسان بوصفها ممارسات يومية.
وتؤكد لـ«$» أن الأسرة تمثل نقطة البداية في هذه المسؤولية، من خلال تربية الأبناء على تقبّل الآخر ومحبته واحترامه، بصرف النظر عن اختلاف الدين أو المعتقد أو التوجه الفكري، مشددة على أن الإيمان علاقة شخصية بين الإنسان وربه، ولا يجوز اتخاذ الاختلاف في القناعات مبررًا لفرض الوصاية على الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم، فالحساب لله وحده.
وتشير إلى أهمية متابعة ما يتعرض له الأبناء من محتوى، ومعرفة طبيعة علاقاتهم وتفاعلاتهم، وفتح قنوات حوار مستمرة معهم، بما يساعد على فهم أفكارهم ومناقشة ما قد يتسلل إليها من تحريض أو تضليل.
وتحذر الرواشدة من تجاهل المؤشرات المبكرة للتطرف، مثل تبرير العنف أو تكفير الآخرين أو استباحة حقوقهم، داعية إلى التعامل معها بالحوار وتفنيد الأفكار الخاطئة والاستعانة بالمختصين عند الحاجة، بعيدًا عن الإهانة والتخويف، اللذين قد يدفعان الأبناء إلى إخفاء أفكارهم بدلًا من مناقشتها.
وتضيف أن المؤسسات التعليمية تتحمل مسؤولية أساسية في تنمية التفكير النقدي لدى الطلبة، وتعزيز قدرتهم على التحقق من المعلومات ومناقشة الآراء باحترام، إلى جانب التصدي للتنمر والتمييز داخل المدارس والجامعات. كما تسهم الأنشطة المشتركة ومبادرات العمل التطوعي في تحويل قيم تقبّل الاختلاف إلى ممارسات ملموسة، وتعزيز التعاون وخدمة الآخرين بصرف النظر عن خلفياتهم.
وفيما يتعلق بدور المؤسسات الدينية، تشدد على أهمية التركيز على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد حرمة الدم، وترفض العدوان والترويع، وتدعو إلى الرحمة والعدل والإحسان واحترام الاختلاف وكرامة الإنسان.
وترى أن مسؤولية هذه المؤسسات لا تقتصر على عرض النصوص الدينية، وإنما تمتد إلى شرح دلالاتها وربطها بحياة الشباب وأسئلتهم، وتفنيد التأويلات التي تُستخدم لتبرير الإرهاب والتكفير، والتأكيد أن الاختلاف في المعتقد لا يبرر إيذاء الآخرين أو الانتقاص من كرامتهم.
وتؤكد الرواشدة أن الإعلام شريك رئيس في هذه المسؤولية، من خلال الالتزام بالتحقق من المعلومات، ومواجهة الشائعات والتحريض، وتجنب الإثارة وتعميم الاتهامات، إلى جانب احترام الضحايا وأسرهم، وإبراز نماذج التضامن والتكافل، وفتح المجال أمام حوار مسؤول يعزز التماسك المجتمعي.
وتلفت إلى أن مواجهة التطرف وخطاب الكراهية تتطلب شراكة فعلية بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، تُترجم إلى برامج تربوية مستمرة، وحوارات مع الشباب، وتدريب على مهارات التربية الإعلامية والمعلوماتية، وآليات واضحة للتعامل مع التحريض والتهديد.
وتؤكد أن فاعلية هذه الجهود ترتبط بوجود انسجام بين القيم التي يتعلمها الأبناء في المنزل وما يتلقونه في المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية ووسائل الإعلام.
وتختتم الرواشدة بالتأكيد على أن الرسالة التي ينبغي ترسيخها لدى الأبناء تتمثل في احترام حق كل إنسان في معتقده وقناعاته وعلاقته بربه، وعدم فرض الإيمان على الآخرين أو المساس بكرامتهم وحياتهم بسبب الاختلاف. وتشدد على أن بناء مجتمع متماسك يبدأ بتربية تقوم على فعل الخير واحترام الإنسان ومساعدة الآخرين، بما يسهم في حماية الأجيال وصون المجتمع من التطرف والكراهية.