حمل حضور المياه في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رسالة واضحة، مفادها أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني. وبهذا الربط انتقلت قضية المياه من إطارها الخدمي والبيئي إلى صلب منظومة الأمن الوطني، وهو ما دفع النقابات الهندسية والفنية إلى قراءة مسؤولياتها في ضوء هذا التوجيه.
ويأتي هذا التأكيد الملكي في سياق وضع مائي يعد من الأصعب في العالم، إذ يصنف الأردن ضمن أفقر دول العالم مائياً، وتقل حصة الفرد فيه كثيراً عن خط الفقر المائي العالمي. وتتضاعف الضغوط مع النمو السكاني وتبعات اللجوء وتراجع الهطولات المطرية بفعل التغير المناخي، فضلاً عن ارتباط جزء من المصادر المائية بأحواض مشتركة تتجاوز حدود الدولة، ما يجعل الأمن المائي مرتبطاً بالجغرافيا السياسية والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا الإطار، قال نقيب المهندسين م. عبدالله عاصم غوشة، إن تأكيد جلالة الملك على ارتباط المياه بالأمن القومي يضع الهندسة أمام مسؤولية وطنية، بوصفها شريكاً في حماية مستقبل الأردن المائي، مبيناً أن قضية المياه لم تعد ملفاً خدمياً أو بيئياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الوطني. وأضاف أن الإشارة الملكية جاءت في سياق التطورات الإقليمية وما تشهده الحدود الشمالية، وهو ما يؤكد أن المياه لا يمكن فصلها عن السياسة والأمن، خاصة في منطقة ترتبط فيها الأحواض والمصادر بعوامل تتجاوز الحدود الوطنية.
وأشار غوشة إلى أن حماية الموارد المائية لا تقتصر على السياسة والدبلوماسية، مؤكداً أن «ما تحميه السياسة يجب أن تؤمّنه الهندسة»، وهو ما يوسع مسؤولية المهندس من تصميم المنشآت والشبكات إلى بناء منظومة مائية قادرة على الصمود أمام المخاطر والأزمات والتغيرات المناخية. وأوضح أن ذلك يتطلب تنويع مصادر المياه، وتعزيز قدرات التحلية والنقل والتخزين، ورفع موثوقية شبكات التوزيع، وإدارة المنشآت وفق مفهوم دورة الحياة بما يشمل الصيانة الوقائية وإدارة المخاطر والرقمنة ورفع الكفاءة.
وتناول أهمية مشروع الناقل الوطني للمياه باعتباره جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية في المملكة، مشدداً على ضرورة النظر إليه بوصفه أصلاً وطنياً طويل الأجل يحتاج إلى إدارة مستدامة، لا مشروعاً تنتهي مهمته بمجرد إنجازه وتشغيله. ولفت إلى أن تأمين مصادر إضافية يجب أن يترافق مع حماية الموارد المتاحة، عبر خفض الفاقد وإدارة الضغوط وكشف التسربات وتحسين كفاءة الضخ وتوسيع استخدام العدادات الذكية والمياه المعالجة، مبيناً أن الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والاستشعار عن بعد تتيح الانتقال من معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بها، إذ «ما لا نقيسه بدقة، يصعب أن نديره بكفاءة».
وبين غوشة أن المياه والطاقة مترابطتان، فالتحلية والضخ والنقل والمعالجة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، ما يجعل كفاءة الطاقة والتوسع في المتجددة جزءاً من القدرة الوطنية على تأمين المياه. وختم بأن المرحلة تتطلب الانتقال «من هندسة المنشأة إلى هندسة المنظومة، ومن إدارة المشروع إلى إدارة الأصل، ومن معالجة المشكلة إلى استباق المخاطر»، معتبراً أن المياه في بلد يواجه تحديات متراكمة هي أصل وطني يرتبط أمنه بأمن الدولة ومستقبلها.
من جانبه، أكد نقيب المقاولين فؤاد الدويري أن النقابة تدرك حساسية الملف المائي، وأن الواقع المائي في المملكة يفرض تعاملاً جاداً مع هذا الملف الذي يمس حياة المواطنين واستقرار البلاد. وأوضح أن ذلك ينسجم مع التوجيهات الملكية التي رفعت المياه إلى مستوى الأمن الوطني، وتقتضي من القطاعات الفنية كافة أن تكون جاهزة للمشاركة في مشاريع المياه الكبرى.
وكشف الدويري أن النقابة عقدت جلسات عدة مع مختصين في الشأن المائي والجهات المعنية بمشروع الناقل الوطني، بهدف الوقوف على متطلبات المشروع وحاجاته الفنية والتنفيذية. وأضاف أن النقابة بدأت الترتيبات مع المقاولين ليكونوا مستعدين، بما يضمن جاهزية القطاع الإنشائي الوطني للمساهمة في تنفيذ مشروع يعد من أهم مشاريع البنية التحتية في المملكة.