الزعبي: ضرورة إيجاد توازن بين حق المنشآت بالتطوير وحق العمال بالحماية الاجتماعية
تفرض الثورة التكنولوجية المتسارعة واقعا جديدا على قطاعات اقتصادية ومهنية عديدة، من بينها قطاع الطباعة والتصوير والورق والمكتبات، في ظل دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة والرقمنة إلى تفاصيل العمل اليومية، وما رافق ذلك من تغير في طبيعة المهن والمهارات المطلوبة وأنماط التشغيل.
وفي الوقت الذي تفتح فيه هذه التحولات التكنولوجية أبوابا جديدة أمام أصحاب المنشآت لتطوير أعمالهم ورفع الإنتاجية وتقليل الكلف، فإنها تطرح في المقابل أسئلة متزايدة حول مستقبل العاملين في المهن التقليدية المرتبطة بالطباعة والتصوير والنسخ وإنتاج المواد الورقية، ومدى قدرة التشريعات الناظمة لسوق العمل على مواكبة التحولات المتسارعة.
ويحذر رئيس النقابة العامة للعاملين في الطباعة والأنشطة المرتبطة بها، محمد الزعبي، من الآثار التي بدأت تفرضها الثورة التكنولوجية على الحركة العمالية في القطاع، معتبرا أن التطورات التقنية المتسارعة دفعت أصحاب العمل إلى إعادة النظر في آليات العمل وأساليب الإنتاج، الأمر الذي انعكس، بحسبه، على أوضاع شريحة من العاملين.
ويقول الزعبي إن الثورة التكنولوجية الخامسة اقتحمت بيئة العمل وأصبحت واقعا لا يمكن تجاهله، داعيا إلى التعامل معها من خلال وضع ضوابط وتشريعات واضحة تنظم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال، بما يضمن عدم تحول التطور التكنولوجي إلى وسيلة للمساس بالحقوق والمكتسبات العمالية.
ويشير إلى أن أصحاب المنشآت أصبحوا يعملون على تحديث آليات العمل والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إنجاز المهام التي كانت تتطلب في السابق أعدادا أكبر من العاملين، معتبرا أن هذا التحول أدى إلى إلحاق الضرر ببعض العمال نتيجة تغير طبيعة الوظائف وتراجع الحاجة إلى بعض المهن التقليدية.
ويرى الزعبي أن التحدي لا يرتبط بالتكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما بطريقة إدارتها وتنظيم آثارها على سوق العمل، موضحا أن المطلوب هو إيجاد توازن بين حق المنشآت في التطوير والتحديث، وحق العمال في الاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية والاحتفاظ بمكتسباتهم.
ويلفت إلى أن المادة 23 من قانون العمل الأردني، التي يعود أصل قانون العمل الذي تتضمنها إلى عام 1996، أصبحت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وفق تعبيره، «ورقة رابحة بيد أصحاب العمل»، معتبرا أن بعض ممارسات تطبيقها باتت تمس حقوق العمال، في ظل التحولات التي يشهدها سوق العمل ودخول التكنولوجيا الحديثة إلى قطاعات الإنتاج والخدمات.
ويطالب الزعبي بمراجعة التشريعات ذات العلاقة بما يواكب التحولات الجديدة، مؤكدا أن القوانين التي تنظم سوق العمل ينبغي أن تكون قادرة على التعامل مع الوظائف الجديدة، وأنماط التشغيل الحديثة، والتحول من العمل اليدوي إلى العمل المؤتمت والرقمي.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تتجه فيه بيئة العمل الأردنية بصورة متزايدة نحو أنماط عمل جديدة، إذ أعلنت وزارة العمل في عام 2026 أن نحو 145 منشأة استفادت من نظام العمل المرن خلال عامي 2025 و2026، وهو ما يعكس جانبا من التحولات التي يشهدها سوق العمل نتيجة تغير طبيعة الأعمال واحتياجات أصحاب العمل.
وفي قطاع الطباعة تحديدا، لا تقتصر التحولات على إدخال آلات حديثة، وإنما تمتد إلى استخدام البرمجيات والتصميم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتقنيات الطباعة الحديثة، إضافة إلى انتقال جزء من الخدمات التي كانت تقدمها المكتبات ومحال التصوير والطباعة إلى المنصات الرقمية.
ويبرز هنا تحد آخر يتمثل في إعادة تأهيل العاملين، إذ إن استمرار العامل في سوق العمل لم يعد مرتبطا فقط بإتقانه مهارات الطباعة التقليدية، وإنما بقدرته على التعامل مع البرامج الرقمية والآلات الحديثة وتقنيات التصميم والإنتاج الإلكتروني.
ويؤكد الزعبي أهمية أن ترافق عملية التحول التكنولوجي برامج تدريب وإعادة تأهيل للعمال، حتى لا يجد العامل نفسه خارج سوق العمل بسبب تغير المهارات المطلوبة، داعيا أصحاب المنشآت والجهات الرسمية والنقابية إلى التعاون في هذا المجال.
ويدعو الزعبي أصحاب المكتبات والمنشآت العاملة في الطباعة والتصوير والأنشطة ذات الصلة إلى الانتساب للنقابة، باعتبارها مظلة نقابية وقانونية يمكن من خلالها متابعة قضايا العاملين والدفاع عن حقوقهم في ظل المتغيرات التي طرأت على طبيعة العمل.
وتشمل مظلة النقابة، بحسب البيانات المنشورة عنها، العاملين في أعمال الطباعة والنشر والمكتبات وصناعة الورق والكرتون والتصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني وغيرها من الأنشطة المرتبطة بهذه القطاعات، فيما تتمثل من أهدافها في رعاية مصالح العاملين والدفاع عن حقوقهم ورفع مستواهم الاقتصادي والمهني والثقافي.
ويرى أحد المتعاملين في التصوير والطباعة، أكرم شرف الخالدي، أن مستقبل قطاع الطباعة لن يكون بالضرورة في المواجهة بين الإنسان والتكنولوجيا، وإنما في القدرة على إعادة تعريف دور العامل داخل المنشأة، بحيث تنتقل بعض الوظائف من التنفيذ اليدوي المباشر إلى تشغيل الأنظمة الذكية والإشراف عليها ومراقبة الجودة والتصميم والتسويق والخدمات الرقمية.
ويلفت إلى أن الحاجة تبدو قائمة إلى مقاربة جديدة للتعامل مع الثورة التكنولوجية، تقوم على تطوير المنشآت وحماية العمال في الوقت نفسه، بحيث لا تصبح التكنولوجيا سببا لفقدان فرص العمل، وإنما وسيلة لخلق وظائف جديدة أكثر تخصصا، ورفع إنتاجية المنشآت، وتحسين قدرة العاملين على المنافسة في سوق عمل سريع التغير.