كشفت بيانات المراقبة الوطنية لمقاومة مضادات الميكروبات في الأردن عن تسجيل مستويات متفاوتة من المقاومة بين أنواع البكتيريا وصلت في بعضها إلى 73% وسط تحذيرات من أن الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية يسهم في تقليص الخيارات العلاجية المتاحة أمام بعض حالات العدوى.
وبحسب تقرير المراقبة الوطنية لمقاومة مضادات الميكروبات لعام 2024، بلغت نسبة المقاومة المتعددة في بكتيريا «الأسينيتوباكتر» 73%، فيما وصلت المقاومة الممتدة فيها إلى 72%.
وأظهرت البيانات أنه من بين نحو 29,437 عزلة لبكتيريا الإشريكية القولونية، سجلت 10,263 عزلة، أي 35%، مقاومة متعددة، فيما بلغت المقاومة الممتدة 16% بواقع 4,656 عزلة، والمقاومة الشاملة نحو 1% بواقع 378 عزلة.
أما بكتيريا «الكلبسيلا الرئوية»، فسجلت 41% من العزلات مقاومة متعددة، و26% مقاومة ممتدة، و4% مقاومة شاملة، فيما بلغت المقاومة المتعددة في بكتيريا «الزائفة الزنجارية» 18%.
عضو اللجنة الوطنية لليقظة الدوائية وأستاذ ومستشار العلاج الدوائي السريري الدكتور ضرار بلعاوي، أكد أن ما تشهده المستشفيات من ارتفاع في معدلات المقاومة، يعكس تراجعا تدريجيا في فعالية ترسانة دوائية راكمها الطب على مدى عقود.
وأوضح في تصريح إلى «الرأي» أن بعض المرضى المصابين بعدوى كان يفترض أن تكون قابلة للعلاج قد يحتاجون اليوم إلى فترات علاج أطول وخيارات دوائية أكثر محدودية، نتيجة مقاومة البكتيريا للمضادات المستخدمة.
وقال «المشكلة أننا نتعامل مع المضاد الحيوي كسلعة استهلاكية، بينما هو مورد علاجي يجب أن نحافظ عليه»، مؤكدا أن وصف المضادات أو استخدامها دون حاجة ينعكس على فعاليتها مستقبلا.
وفي مؤشر آخر وفق بلعاوي، أظهرت دراسة حديثة أجريت في مركز طبي ثالثي، ورصدت بيانات على مدى تسع سنوات، ارتفاع انتشار بكتيريا الإشريكية القولونية المنتجة لإنزيمات «البيتالاكتاماز واسعة الطيف»، بين مرضى التهابات المسالك البولية من 43.7% عام 2014 إلى 58.9% عام 2023. وكان الارتفاع أكثر وضوحا بين الأطفال، إذ انتقلت النسبة من 41% إلى 65.4%.
وأشار بلعاوي إلى أن المشكلة لا تقتصر على المستشفيات، إذ يسهم الحصول على المضادات الحيوية واستخدامها دون حاجة سريرية، إلى جانب مطالبة بعض المرضى بها اعتماداً على تجارب مرضية سابقة، في تعزيز مقاومة البكتيريا.
وبين أن تحميل المسؤولية لطرف واحد لا يعكس طبيعة المشكلة، مضيفا أن الأزمة نظمية، ونحتاج إلى برامج إشراف فعالة على استخدام المضادات الحيوية في كل مستشفى، وصيادلة سريريين مدمجين في فرق الرعاية الصحية، وتشخيص سريع يساعد الطبيب على التمييز بين العدوى البكتيرية والفيروسية قبل وصف المضاد. وكانت الخطة الوطنية لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات للأعوام 2023–2025، قد تضمنت أهدافا لتوسيع المراقبة وبرامج الإشراف على استخدام المضادات الحيوية.
كما جرى تحديث تصنيف المضادات الحيوية وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية إلى ثلاث مجموعات هي «ACCESS» و«WATCH» و«RESERVE»، مع حصر صرف مضادات مجموعة الاحتياط «RESERVE» في المستشفيات ووفق ضوابط محددة.
ورأى بلعاوي أن التحدي يتمثل في تحويل الخطط والتعليمات، إلى ممارسات يومية داخل المؤسسات الصحية، بالتوازي مع تعزيز إجراءات الوقاية من العدوى، ومنها نظافة الأيدي والتعقيم والعزل المبكر.
وشدد على ضرورة الانتقال من التركيز على علاج العدوى إلى تعزيز الوقاية منها، إلى جانب الاستثمار في الصيدلة السريرية ودمج الصيادلة السريريين في فرق العناية الحثيثة والأمراض المعدية لمراجعة الجرعات والتداخلات الدوائية ومدى الحاجة إلى استمرار المضاد الحيوي.
ودعا إلى وضع أهداف وطنية قابلة للقياس لخفض الاستخدام غير الضروري للمضادات، وتوسيع برامج الإشراف عليها في المستشفيات، وتدريب الأطباء في بداية مسيرتهم المهنية على الاستخدام الرشيد، بالتوازي مع تعزيز وعي المجتمع.
ولفت بلعاوي إلى أن الحفاظ على فعالية المضادات مسؤولية مشتركة بين المنظومة الصحية والطبيب والصيدلاني والمريض، محذرا من أن استمرار الاستخدام غير الرشيد يعني منح البكتيريا فرصة أكبر لتطوير مقاومتها وتقليص الخيارات العلاجية المتاحة مستقبلا.