أهمية المشروع الاقتصاديه تزداد بالنظر إلى حجمه، فالتقديرات الحالية تشير إلى استثمار يقارب 2.5 مليار دولار، وإنشاء مسارات سككية بطول يقارب 360 كيلومترا وبطاقة استيعابية تصل إلى 16 مليون طن سنويا، ومن المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى بنقل نحو 13 مليون طن من الفوسفات سنويا من الشيدية إلى العقبة، إلى جانب نقل 3 ملايين طن من منتجات البوتاس من غور الصافي.
لذلك لا يجب النظر للمشروع كخط للسكك الحديدية بالمعنى التقليدي، وإنما جزء من "صورة اقتصادية" أوسع تربط مناطق الإنتاج بميناء العقبة والأسواق العالمية. فالحديث عن نقل ملايين الأطنان سنويا يجعل تكلفة النقل جزءا مهما من تكلفة المنتج النهائية. وبالتالي فإن خفضها ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للصادرات الأردنية. والتقديرات تشير إلى أن المشروع يمكن أن يحقق وفرا في تكاليف نقل الفوسفات والبوتاس يصل إلى 40 مليون دولار سنويا على الأقل.
من زاوية القيمة الاقتصادية فإن القيمة الحقيقية للمشروع ستتجاوز الإيراد المباشر للسكك الحديدية أو الوفر في تكاليف النقل. فالمشروع سيؤدي إلى زيادة كفاءة سلسلة التوريد ورفع تنافسية الفوسفات والبوتاس وتشجيع زيادة الإنتاج وتحفيز استثمارات جديدة في قطاعات التعدين والصناعة والخدمات اللوجستية، إضافة إلى تخفيف الضغط عن شبكة الطرق وتقليل تكاليف صيانتها. وهنا تظهر نقطة اقتصادية مهمة. فالاقتصاد لا يرفع إنتاجيته فقط عندما ينتج كمية أكبر من السلع، وإنما أيضا عندما يستطيع إنتاج ونقل وتسويق السلعة نفسها بتكلفة أقل. ولذلك فإن الاستثمار في البنية التحتية للنقل هو في جوهره استثمار في إنتاجية الاقتصاد.
نقطة مهمة أيضا تتمثل في الطاقة الاستيعابية للمشروع والبالغة 16 مليون طن سنويا. فالمرحلة الأولى التي تستهدف نقل 13 مليون طن تعني استخدام أكثر من 80 بالمئة من الطاقة التصميمية منذ البداية. وهذا يوفر قاعدة تشغيلية مهمة للمشروع، مع وجود طاقة إضافية يمكن استثمارها مع توسع الإنتاج أو إضافة شحنات أخرى مستقبلا.
وهذا يقود إلى بعد آخر للمشروع يتعلق بميناء العقبة، فكلما انخفض الزمن والتكلفة اللازمة لنقل المنتج من موقع الإنتاج إلى الميناء، ارتفعت كفاءة سلسلة الإمداد بأكملها. ومن هنا فإن تطوير السكك الحديدية يمكن أن يعزز مكانة العقبة ليس فقط كميناء للصادرات الأردنية، وإنما كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.
وإذا نجح الأردن في استكمال شبكة السكك الحديدية الوطنية، فإن الأثر الاقتصادي يمكن أن يكون أكبر بكثير من المشروع الحالي. فالهدف في النهاية ليس إنشاء خط منفرد لخدمة الفوسفات والبوتاس، وإنما بناء منظومة نقل يمكن أن تربط مناطق الإنتاج والمراكز الصناعية والميناء وربما الأسواق الإقليمية مستقبلا. وهنا يمكن أن يتحول الموقع الجغرافي للأردن من مجرد ميزة جغرافية إلى ميزة اقتصادية حقيقية.
أما بالنسبة إلى سوق العمل فإن المشروع يمكن أن يخلق نشاطا اقتصاديا مباشرا وغير مباشر في محافظات الجنوب تقارب 5 آلاف فرصة عمل بالتكامل مع مشروع ميناء معان البري، طبعاً الأثر على العمالة لا يجب أن يقاس فقط بعدد الوظائف التي يوفرها المشروع أثناء الإنشاء أو التشغيل. فهناك أثر مضاعف يمكن أن يأتي من توسع التعدين والصناعة والخدمات والنقل والتخزين والمناولة والصيانة وهي قطاعات يمكن أن تستفيد من تحسن البنية التحتية.
عند النظر لمثل هذه المشاريع الكبيرة فإن المعادلة الاقتصادية بسيطة في جوهرها فكلما انخفضت تكلفة نقل السلعة ارتفعت قدرتها على المنافسة، وكلما ارتفعت القدرة التنافسية، زادت فرص التوسع في الإنتاج والاستثمار والتصدير. ومن هذه الزاوية فإن سكة الحديد ليست استثمارا في النقل فقط وإنما "دفعة اقتصادية كبيرة" للاستثمار والإنتاجية والقدرة التنافسية للاقتصاد الأردني.