بدأتُ مداخلتي من حادثة إعلامية حديثة رافقت زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى باريس، حين انتشر مقطع قصير على بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وراح البعض يفسّره على أنه موقف عنصري من البابا تجاه كاهن أسود. لكن مشاهدة المشهد كاملًا تكشف حقيقة مختلفة تمامًا: فقد أبلغ مسؤول المراسم البابا بأن الرئيس الفرنسي وزوجته كانا خلفه، فاستدار لتحيتهما. ومع ذلك، كانت ثوانٍ قليلة كافية لصناعة اتهام، ونشر حكم، وإشعال موجة من التعليقات.
وهنا تكمن إحدى مشكلات عصرنا: السرعة سبقت الحقيقة، والانفعال سبق التحقق، وأصبحت بعض المنصات قادرة على تحويل الإشارة والكلمة والصورة المقتطعة إلى أسلحة. وهذا ما أكرره دومًا: إن البشرية في السنوات الأخيرة قد تقدّمت تقنيًا، لكنها تراجعت أخلاقيًا.
ليست الأسلحة اليوم تلك التي تُستخدم في ساحات الحروب فقط. فالكلمات قد تصبح أسلحة، والصور قد تصبح أسلحة، والمنصات نفسها قد تتحول من مساحات للحوار والتعارف إلى ميادين للتنابذ والتشهير والتجريد من إنسانية الآخر. وحين يُنظر إلى الإنسان لا بوصفه شخصًا له كرامته، بل بوصفه خصمًا أو رقمًا أو صورة نمطية، يصبح الانتقال إلى خطاب الكراهية أكثر سهولة.
لذلك نحن بحاجة إلى إعلام "منزوع السلاح"، كما يدعو البابا لاون الرابع عشر، وإلى تكنولوجيا وديعة تخدم الإنسان بدل أن تستعمله. كما أننا بحاجة إلى التربية الإعلامية والرقمية التي تمكّن الأجيال الجديدة من التحقق، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والتضليل، وبين حرية التعبير والإساءة إلى كرامة الآخرين.
وقد كان المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام قد أطلق عام 2019 مدونة الإعلام الأخلاقية، التي تدعو إلى إبراز روابط التقارب والتواد بين الناس، والابتعاد عن كل ما يثير النعرات والعنصرية والطائفية، وتعزيز المواطنة، واحترام الخصوصية والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.
ومن الضروري الإشارة إلى ختام هذا المؤتمر الإقليمي، الذي أصغينا خلاله إلى أكثر من ثلاثين مداخلة فكرية وأكاديمية من مختلف الأقطار العربية، بإطلاق شرعة القاهرة الإقليمية لمواجهة خطاب الكراهية وحماية الكرامة الإنسانية.
إن مواجهة الكراهية لا تبدأ بإسكات الناس، بل بتربية الكلمة. فحين ننزع السلاح من خطابنا، نعيد للكلمة رسالتها الأولى: أن تكون جسرًا لا جدارًا، ووسيلة لقاء لا أداة خصام، وخدمةً للإنسان وكرامته.