بلغ متوسط النمو خلال الأرباع الثلاثة الأخيرة نحو 2.97%، مقارنة بمتوسط 2.55% للفترة كاملة. وهذه المقارنة مهمة لأنها تشير إلى تحسن واضح في وتيرة النمو خلال الفترة الأخيرة، وإن كانت لا تعني بعد دخول الاقتصاد مرحلة النمو المرتفع. وهنا تكمن أهمية قراءة أرقام النمو للربع الثاني من عام 2026. فقد سجل الاقتصاد الأردني نموًا حقيقيًا بنسبة 3% مقارنة مع 2.8% في الربع الثاني من عام 2025. ورغم أن الزيادة تبلغ 0.2 نقطة مئوية فقط، فإن أهميتها تأتي من استمرار الاتجاه وليس من حجم الزيادة وحدها. هذه النتيجة تصبح أكثر أهمية إذا وضعناها في سياق الظروف الإقليمية المعقدة وما تفرضه من تحديات على حركة التجارة والسياحة والاستثمار وسلاسل التوريد. وفي تقديري، فإن استمرار الاقتصاد في تحقيق نمو إيجابي في مثل هذه الظروف يعكس درجة من المرونة وقدرته على المحافظة على نشاطه الاقتصادي والتعامل مع الصدمات الخارجية.
لكن ما القطاعات التي قادت النمو الاقتصادي؟ هنا تظهر النتيجة الأهم وهي الأداء القوي للقطاعات الانتاجية، وتحديدًا قطاع الصناعة التحويلية. فالصناعة التحويلية نمت بنسبة 6.2% خلال الربع الثاني من عام 2026، وهي نسبة تزيد على ضعف معدل نمو الاقتصاد الكلي. والأهم أنها كانت أكبر مساهم في النمو الاقتصادي، إذ أضافت 1.04 نقطة مئوية من أصل 3%، كما بلغت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة 17.2%، وهي الأعلى بين القطاعات الاقتصادية.
هذه الأرقام تجعل الصناعة التحويلية نقطة الارتكاز الأساسية في قراءة النمو الحالي. فهناك فرق اقتصادي مهم بين نمو النشاط الاقتصادي بصورة عامة و نمو قطاع إنتاجي قادر على خلق قيمة مضافة حقيقية والتوسع في الأسواق المحلية والخارجية. كما أن الصناعة ليست قطاعًا منعزلًا عن بقية الاقتصاد. توسع الإنتاج الصناعي يعني طلبًا أكبر على النقل والطاقة والتخزين والتمويل والتأمين والتجارة والخدمات اللوجستية. وبالتالي فإن الأثر الاقتصادي للصناعة لا يتوقف عند مساهمتها المباشرة في الناتج، وإنما يمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة بها.
وتؤكد بقية بيانات النمو أن الصورة الإنتاجية للاقتصاد شهدت تحسنًا أيضًا. فقد سجلت الزراعة نموًا بلغ 7.8%، والكهرباء 5%، والمياه 4.1%، إلى جانب معدلات نمو إيجابية في النقل والتخزين والمعلومات والاتصالات والأنشطة المالية. وهذا يعني أن النمو في الربع الثاني لم يكن قائمًا على نشاط واحد، لكن الصناعة التحويلية كانت العامل الأكثر تأثيرًا في معدل النمو الكلي.
وتزداد أهمية هذه النتيجة عندما ننظر إلى بيانات التجارة الخارجية. فخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 ارتفعت الصادرات الكلية بنسبة 10.3%، بينما ارتفعت الصادرات الوطنية بنسبة 4.6%. وفي الوقت نفسه انخفض العجز التجاري بنسبة 6%، كما ارتفعت نسبة تغطية الصادرات للمستوردات من 51% إلى 55%. أرقام التجارة الخارجية تحمل أكثر من رسالة. الرسالة الأولى أن قدرة الاقتصاد على التصدير تتحسن. والرسالة الثانية أن الصادرات أصبحت تغطي نسبة أكبر من الواردات.
هل بدأ هذا التحسن في النمو ينعكس على سوق العمل؟ هذا سؤال مهم فإذا كان النمو هو الصورة الكلية للاقتصاد، فإن سوق العمل هو أحد أهم الاختبارات التي تساعدنا على معرفة مدى انتقال هذا النمو إلى المواطنين. فمعدل البطالة بين الأردنيين انخفض من 21.3% في الربع الثاني من عام 2025 إلى 21% في الربع الثاني من عام 2026، كما انخفض معدل البطالة لإجمالي السكان من 16.5% إلى 16.1%.
هذا التحسن لا يعني أن مشكلة البطالة قد حُلت بكل تأكيد. فمعدل بطالة يبلغ 21% بين الأردنيين ما زال مرتفعًا، وبالتالي لا يمكن اعتبار التراجع المحدود في البطالة تحولًا جذريًا في سوق العمل. لكنه في الوقت نفسه يمثل إشارة مهمة، خصوصًا إذا جاء ضمن مسار يترافق فيه تحسن النمو مع تحسن تدريجي في مؤشرات سوق العمل. وهنا نصل إلى السؤال الذي يهم المواطن أكثر من أي رقم آخر: كيف ينعكس نمو بنسبة 3% على حياته؟
الإجابة الاقتصادية هي أن الأثر لا يحدث بصورة مباشرة ولا فورية. عندما نقول إن الناتج نما بنسبة 3%، فهذا يعني أن الاقتصاد أنتج سلعًا وخدمات أكثر مما أنتج في الفترة المقابلة من العام السابق. لكن زيادة الإنتاج تخلق حافزًا للاستثمار. والاستثمار يؤدي إلى توسع الطاقة الإنتاجية. ومع توسع الإنتاج يزداد الطلب على العمالة والمدخلات والخدمات، وهو ما يمكن أن ينعكس تدريجيًا على فرص العمل والدخل ومستويات المعيشة. ولذلك فإن أثر النمو يحتاج إلى وقت حتى ينتقل من النشاط الاقتصادي إلى حياة الناس.
وهنا تأتي أهمية استمرارية النمو ونوعيته. فالنمو في ربع واحد لا يكفي وحده لإحداث تغيير كبير في حياة الناس، لكن استمرار النمو يؤدي إلى تراكم الناتج وتوسع الطاقة الإنتاجية. وتزداد قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل والدخل عندما يقود هذا النمو قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
الاقتصاد هو نتاج تفاعل مجموعة واسعة من العوامل، تشمل السياسات الاقتصادية، والاستثمار والطلب المحلي والخارجي، والتحويلات، وأسعار الطاقة والتجارة الخارجية والظروف الإقليمية والدولية. ولهذا فإن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط المحافظة على نمو 3%، وإنما رفع معدل النمو تدريجيًا وتحويل الاستقرار الحالي إلى نمو أعلى وأكثر استدامة. وهذا يتطلب توسيع الاستثمار الصناعي بالذات، وتسهيل التمويل، وخفض كلف الإنتاج وفتح أسواق تصديرية جديدة، وتعزيز سلاسل القيمة المحلية، وربط التعليم والتدريب باحتياجات القطاعات الإنتاجية. فالمواطن قد لا يشعر بأثر نمو ربع واحد مباشرة، لكنه سيشعر بأثر نمو مستمر ومتسارع ومتراكم، خصوصًا عندما يقوده قطاع إنتاجي قادرعلى خلق قيمة مضافة حقيقية.