في موقع فيسبوك، يتسع المجال لرواية التفاصيل والشكوى والاشتباك في حوارات جانبية، وتأتي الحكاية بوصفها الأمر الجوهري، وكأن الذي يكتب على فيسبوك يطلب ضمنيًا تحالفًا اجتماعيًا تجاه قضية معينة. ويختلف ذلك عن موقع إكس، حيث الأساس هو موقف موجز وصارم، يطلب اصطفافًا أو تعليقًا أو تدخلًا سريعًا.
بينما يُصنَّف الأردن في حزام الدول التي تعتمد على فيسبوك في كثير من جدالات المواطنين وقضاياهم، فإن إكس يبدو أكثر حضورًا في المجال العام في بعض دول الخليج، لأسباب تتصل بنمط الحياة وإيقاعها، وبطبيعة الحراك الاقتصادي، وإن كان من الصعب اختزال هذا الاختلاف في عامل واحد. ففي الأردن، توجد مساحة كبيرة من الوقت تتشكل من المتعطلين عن العمل أو من الذين يعملون بإنتاجية منخفضة لأسباب تتعلق بطبيعة العمل المؤسسي، وهو ما يختلف، في بعض جوانبه، عن دول الخليج التي يتصاعد فيها توطين الوظائف لإحلال المواطنين في وظائف القطاعين العام والخاص. وفي المقابل، يتجنب كثير من المقيمين أن يشتبكوا في الحوار العام في البلدان التي تستضيفهم من الأساس، ويبقون منخرطين في الحوار الذي يخص بلدانهم الأصلية.
في الأردن، كثيرًا ما يظهر الجدال حول الشأن العام على موقع فيسبوك أن الأوضاع سلبية بما يتجاوز أحيانًا ما هو واقعي وقائم فعليًا، إلا أن تتبع منتجي المحتوى والمتابعين المستدامين يدفع إلى تقدير أن المشتبكين فعليًا مع الشأن العام على فيسبوك ليسوا سوى نسبة محدودة، بينما يعيش معظم الأردنيين خارج حالة النقاش العام هذه، ولا يمكن التعرف على توجهاتهم وآرائهم من خلال هذا المجال، لأن استخدامهم للموقع يكون في الغاية الاجتماعية التي تأسس من أجلها، وهي إبقاء الفرد في حالة تواصل مع محيطه الاجتماعي، لا أن يوظف بالضرورة بوصفه منصة للرأي أو الفعل السياسي.
كثافة الحضور في النقاش العام على مواقع التواصل لا تعني أن القضية التي تحضر وتوصف بالترند هي الشاغل الأساسي للمجتمع ككل، كما لا يعني غياب شخص عن النقاش الافتراضي أنه لا يمتلك رأيًا خاصًا يمكن أن يشكل، في لحظة معينة، جزءًا من الرأي السائد بين معظم الأردنيين. فمن الصعب اعتبار المبادرين إلى الاشتباك على مواقع التواصل عينة ممثلة للأردنيين جميعًا، لمجرد أنهم الأكثر ظهورًا والأكثر قدرة على إبقاء القضية حاضرة في المجال الافتراضي.
المنصات ليست فاعلًا سلبيًا لأن الخوارزميات تتدخل في شيوع بعض الأصوات والتركيز على المحتوى الذي تقدمه، وتستجيب لما يمكن أن يكون جذابًا بغض النظر عن مدى مقاربته للحقيقة بطريقة مسؤولة، والشكوى وحتى الغضب من الأمور التي تحقق تفاعلًا يعتبره الموقع جزءًا من رأس ماله.
يظهر السؤال المهم حول التعرف على النبض الحقيقي للأردنيين في قضايا كثيرة ملحة ومعقدة من غير أن يحدد المشتبكون على مواقع التواصل الصورة التي تناسبهم، أو تتحول كثافة حضورهم إلى شعور بعمومية هذه الصورة بين الأردنيين؟ وكيف يمكن للمسؤول الرسمي والمتابع العادي أن يميز بين ما يستحوذ على المجال الافتراضي وما يشكل بالفعل رأيًا عامًا في المجتمع؟