من محمود سيف الدين الإيراني إلى المثقف اليوم: ماذا تغيّر؟

تاريخ النشر : السبت 12:39 3-10-2026
No Image

كان محمود سيف الدين الإيراني واحدًا من أولئك الكتّاب الذين لم يكتفوا بأن يمرّوا في المجتمع، بل تركوا شيئًا من ظله على الورق. كتب القصة والمقالة الأدبية والاجتماعية، واشتغل في التعليم والصحافة والثقافة، وترأس في مراحل من حياته تحرير (رسالة الأردن) و(أفكار)، وعاش عمّان من داخل مؤسساتها وناسها ومجالسها. ولهذا تبدو بعض نصوصه اليوم كأنها نوافذ صغيرة فُتحت في جدار الزمن؛ ننظر منها فلا نرى الأحداث الكبرى وحدها، بل هيئة الناس، وطريقة كلامهم، وما كانوا يرتدونه، وكيف كانوا يجلسون، وما الذي كانوا يقولونه حين يظنون أن أحدًا لا يسجل شيئًا.

ومن بين تلك الصور، ترك لنا في (الرصاصة الأخيرة) مشهدًا يصعب نسيانه. رجال في الفنادق، البدلة جيدة دائمًا، وربطة العنق ثمينة، والشعر مسرّح، والسيجارة ترفع كلامًا كبيرًا إلى الهواء. النكسة، الكارثة، الهزة، التاريخ، المستقبل. وفي الخلفية رجل يحمل صينية، ويعود في كل مرة بالكؤوس فارغة. لم يقل الإيراني: هؤلاء هم المثقفون، ولم يصدر حكمًا على الثقافة. فعل شيئًا أبلغ؛ ترك الهيئة في جهة، والكأس الفارغة في الجهة الأخرى، ومضى. ومنذ ذلك الوقت تبدلت أشياء كثيرة، أما الكأس، فلست متأكدًا أنها امتلأت.

في زمن الإيراني كانت للثقافة هيئة أخرى. كان الأستاذ والمعلم والأديب والرجل المتعلم يقتربون جميعًا، بدرجات متفاوتة، من صورة واحدة: بدلة مرتبة، ربطة عنق، قميص أبيض، حذاء مصقول، شعر يعرف مكانه فوق الرأس. لم تكن الأناقة يومها تهمة، بل كانت شيئًا من الحداثة. كان المعلم يدخل الصف كأنه يحمل في بدلته وعدًا صغيرًا بأن العالم يمكن أن يصبح أكثر نظامًا مما هو عليه خارج الباب. وكان المثقف، إن أراد أن يتميز عن الناس، يتميز عنهم بالمبالغة في الترتيب.

ثم حدث شيء طريف. دارت الأيام دورة كاملة، ووصلنا إلى الضفة الأخرى. أصبح المثقف الذي يرتدي اليوم بدلة كاملة وربطة عنق وحذاء يلمع أكثر من اللازم معرضًا لأن يُظن مدير بنك، أو موظف مراسم، أو رجل أعمال ضل طريقه إلى أمسية شعرية. أما الثقافة فقد اختارت لنفسها ثيابًا أخرى. صار للغرابة أحيانًا نصيب من الشهادة: شيء من الفوضى في الشعر، شيء من اللامبالاة في الثياب، قطعة لا تنتمي تمامًا إلى الفصل، قبعة تحتاج إلى مناخ آخر، وشاح في غير أوانه، وشعر يبدو كأنه استيقظ قبل صاحبه وقرر ألا ينتظره. حتى بياضه قد يصبح جزءًا من المشهد، كأن الحكمة يجب أن تكون مرئية من آخر القاعة.

قديمًا كان المثقف يتأنق لكي يختلف، واليوم قد يهمل أناقته لكي يختلف. تغيرت الشفرة، ولم تتغير الحاجة إلى الشفرة. كأن الثقافة، في بلادنا، لا تزال تخشى أن تمر بلا بطاقة تعريف، وكأن عليها أن تضع شيئًا على الرأس أو العنق أو الوجه يقول للناس، قبل أن يسمعوا كلمة واحدة: هنا مثقف.

وفي بيروت، قبل عقود، كانت الصورة أكثر صخبًا. كانت المدينة قِبلة للأفكار العربية ومتناقضاتها. يأتي إليها العراقي وفي حقيبته حزب، والفلسطيني وفي صدره وطن، والكردي وفي رأسه مشروع، والقومي والشيوعي والبعثي واليساري واليميني والأممي، وكل واحد مقتنع إلى حد ما بأنه يحمل مفتاح الغد في جيبه. يلتقون في شقة أو فندق أو مقهى، ثم يبدأ إصلاح العالم.

يمتد النقاش إلى الفجر؛ تسقط حكومات على الطاولة، وتقوم ثورات، وتنهار البرجوازية، وينتصر العمال، وتتحرر فلسطين، ثم يطلع الصباح فينام الجميع. وبعد أن يستيقظوا يبدأ النداء العظيم: يا ناس، اصحوا. وكان المرء، وهو لم يبلغ العشرين بعد ويعمل مع أبيه في الحجر، يستطيع أن يرى المفارقة من غير أن يحتاج إلى قراءة هيغل: لعل الأولى أن نصحو نحن أولًا.

لم تكن المشكلة في السهر، ولا في الشعر الطويل، ولا حتى في الفوضى؛ فالإنسان حر في أن يرتدي رأسه كيف يشاء. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الأشياء إلى قرائن على العمق، وحين يصبح نمط الحياة شهادة ثقافية، وحين يبدو أن على المثقف ألا يعيش كما يعيش الناس لأن العادية نفسها صارت خطرًا على هيبته. فهو لا ينام كما ينامون، ولا يلبس كما يلبسون، ولا يتحدث كما يتحدثون، ولا يدخل المكان كما يدخلونه. حتى الصمت يجب أن يكون له صمته الخاص، والسيجارة ليست سيجارة تمامًا؛ إنها، أحيانًا، جزء من السيرة الذاتية.

وهنا يحضر غسان كنفاني، لا لكي نحاكم مظهره، بل لكي نفهم الفرق بين الصورة التي يصنعها الأثر، والأثر الذي يحاول أن تصنعه الصورة. كان لغسان حضور جارِف؛ وجه يمكن أن تتعرف إليه من صورة بعيدة، وطريقة في الجلوس والتدخين والكتابة تحولت بعد رحيله إلى جزء من أيقونته. قلده كثيرون؛ قلدوا السيجارة، وقلدوا الجلسة، وقلدوا تلك الهيئة الشهيرة وهو يكتب ورأسه مستند إلى يده. وقد يبلغ الإعجاب به أن يسمى الإنسان ابنه غسان.

لكن الذين قلدوا هيئة غسان لم يستطيعوا أن يقلدوا ما جعل للهيئة معناها. لأن غسان لم يبدأ بالصورة؛ كتب أولًا، وعمل أولًا، ودفع من عمره أولًا، وترك في سنوات قليلة ما يكفي لكي يبقى اسمه بعد الجسد. لم تكن السيجارة هي التي صنعت غسان كنفاني، بل غسان كنفاني هو الذي جعل السيجارة في صورته قابلة للتقليد. وهذه مسافة هائلة بين أن يصنع العمل أيقونتك، وأن تصنع أيقونتك منتظرًا أن يأتي العمل. رحل غسان مبكرًا، وبقي السؤال مفتوحًا عما كان يمكن أن يمتد إليه مشروعه لو امتد به العمر، لكن ما تركه يكفي ليقول شيئًا بسيطًا: الثقافة لا تحتاج إلى أن تعلن عن نفسها حين يكون أثرها حاضرًا.

ربما بدأت المشكلة حين انتقلت الثقافة من كونها معرفة إلى كونها مكانة، وحين أصبحت المكانة تحتاج إلى مسافة. أصبح بعض المثقفين لا يكتفون بأن يعرفوا أكثر، بل يحتاجون إلى أن يشعر الآخر بأنهم يعرفون أكثر. ومن هنا تبدأ تلك المسافة الصغيرة بين المثقف والناس، ثم تكبر. يرسل لك نصه فينتظر أن تقرأه، ويحدثك عن كتابه فينتظر رأيك، ويطلب منك اهتمامك فيأخذه كما لو أنه حق طبيعي. وحين يأتي دورك، تحدث المعجزة: يكتشف فجأة قيمة الاعتماد على النفس، ويمنحك حكمة، ويذكرك بأن على الإنسان أن يشق طريقه وحده.

وقد تكون الحكمة صحيحة تمامًا، فالحقيقة نفسها تستطيع أحيانًا أن تؤدي وظيفة الاعتذار. كم مرة طلب إنسان صغير من إنسان أكبر منه أن يدله على أول الطريق، فقيل له إن أجمل الطرق هي التي نكتشفها بأنفسنا؟ وكم مرة كانت تلك العبارة درسًا عظيمًا، وكم مرة كانت فقط طريقة مهذبة لكي لا ينهض أحد من كرسيه؟ ليس كل امتناع أنانية، لكن بعض الناس تعلموا كيف يكسون الامتناع ثوب الحكمة. وهنا تصبح الثقافة مفيدة جدًا؛ فبدل أن تقول: لا أريد أن أساعدك، يمكن أن تقول جملة عن الاستقلال، وبدل أن تقول: ليس لدي وقت لك، يمكن أن تحدث الآخر طويلًا عن ضرورة أن يصنع الإنسان نفسه. وهكذا لا تمتنع عن المساعدة فقط، بل تخرج من الموقف حكيمًا أيضًا.

لكن السؤال الحقيقي ليس عن الملابس، ولا عن السهر، ولا عن السيجارة، ولا عن ربطة العنق. السؤال أكثر قسوة: ماذا فعلت الثقافة بالمثقف؟ بعد كل هذه الكتب، هل أصبح أكثر إنصاتًا؟ بعد كل هذا الشعر، هل رق قلبه قليلًا؟ بعد حديثه الطويل عن العدالة، هل أصبح أعدل مع الإنسان القريب منه؟ بعد دفاعه عن الحرية، هل استطاع أن يحتمل إنسانًا يختلف معه؟ بعد أن كتب عن الفقراء، هل تعلم أن يحترم العامل لا أن يحوله إلى استعارة؟ وبعد أن تحدث عن الإنسان، هل بقي في بيته من يشعر أنه يعرف الإنسان فعلًا؟

فالأسرة أيضًا امتحان ثقافي، والعمل امتحان، والمال امتحان، والسلطة الصغيرة امتحان، والشهرة امتحان. وقد يكون من السهل جدًا أن تحب البشرية؛ البشرية فكرة واسعة، ولا تطلب منك أن تغسل صحنًا. الأصعب أن تحب إنسانًا بعينه: أن تصبر عليه، وأن تعطيه من وقتك، وأن تصغي إلى قصة تعرف نهايتها، وأن تساعده من غير أن يكون في مساعدته مكسب. هناك من يستطيع أن يبكي على مصير الإنسان في قصيدة، ثم يضيق بمن يعيش معه لأن صوته مرتفع قليلًا. وهنا تبدأ الكأس بالفراغ مرة أخرى.

ليس المثقف العربي متهمًا هنا، وليس المقال محكمة. فمن هذه الثقافة خرج من دفع حياته ثمن فكرة، وخرج من حفظ الذاكرة حين أرادها الآخرون أن تضيع، ومن ترجم، ومن علّم، ومن قاوم، ومن بقي فقيرًا لأنه رفض أن يبيع كلمته لا لأنه أحب أن يمثل دور الفقير، ومن عاش بين الناس حتى لم تستطع أن تميز من مظهره أنه يحمل في رأسه مكتبة كاملة.

لكن السؤال الذي فتحه محمود سيف الدين الإيراني، من غير أن يكتبه بهذه الكلمات، ما زال صالحًا لأن نقف أمامه: ما الذي يوجد خلف الهيئة؟ بعد عقود طويلة تغيرت البدلة، وسقطت ربطة العنق، وطال الشعر، وظهر الوشاح، وتغير المقهى، وصار البار منصة، وصارت المنصة شاشة، وأصبح للكأس الفارغة أشكال أحدث بكثير. لكن امتحان الثقافة بقي قديمًا وبسيطًا.

أن تخلع عن الإنسان كل ما يدل عليه: لقبه، صورته، كتبه، عدد متابعيه، الوشاح، ربطة العنق، السيجارة، كرسي الندوة، اسمه المطبوع على الغلاف؛ ثم تتركه وحيدًا أمام إنسان آخر لا يعرف من يكون. ماذا سيبقى؟ ربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق قرنًا كاملًا من الثقافة: ليس ماذا يرتدي المثقف، ولا ماذا قرأ، ولا كم مرة قال كلمة (وعي)، بل ماذا يحدث للإنسان حين تسكنه الثقافة حقًا؟ هل يصبح أعلى من الناس؟ أم أقرب إليهم؟

ولعل الفرق كله بين الثقافة وزي الثقافة لا يحتاج إلى أكثر من ذلك: أن تكون الثقافة نافذة نرى منها الناس بوضوح أكبر، لا مرآة نقف أمامها طويلًا، مفتونين بأنفسنا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }