• من نصيحة سيدوري إلى هامش التاريخ
يستهل الكاتب المبدع الساخر يوسف غيشان كتابه «ملحمة علهامش» بنصيحة سيدوري لجلجامش: «إلى أين تمضي يا جلجامش؟ الحياة التي تبحث عنها لن تجدها.. أما أنت فاملأ بطنك، واجعل من كل يوم عيدًا.. دلّل صغيرك، وأسعد زوجتك»» هذا الاقتباس هو مفتاح الكتاب كله؛ إذ يعلن المؤلف أنه لن يكتب ملحمة جلجامش، بل ملحمة مضادة: ملحمة الذين لا يبحثون عن الخلود، بل عن لقمة، وكرامة، وحكاية تُروى.
العنوان وحده مفارقة مزدوجة؛ فـ«ملحمة» توحي بالبطولة، و«على الهامش» تكسر هذا الوهم. فمن يستحق أن تُروى حكايته: أصحاب المعالي أم الخبازون؟
• رواية أم سيرة أم تخييل ذاتي؟
التصنيف هنا سؤال جوهري؛ فالمؤلف نفسه يسميها «خربشات» و«متوالية قصصية»، ويقول في الملحق: «كنت أنا المراهق الذي كتب هذه الخربشات».
النص هجين: هو سيرة لأنه يستند إلى ذاكرة المؤلف وبلده، ورواية لأنه يعيد بناء هذه الذاكرة بأدوات السرد، وتخييل ذاتي لأنه لا يتعهد بالدقة التاريخية.
استخدام «الألواح» بدلًا من «الفصول» يمنحه شرعية ملحمية، لكنه يقلبها؛ إذ تصبح الألواح عن بلدة صغيرة، ومنسف، وجنازة، وطفل يبحث عن جزرة.
البناء غير الخطي محاكاة للذاكرة نفسها؛ فنحن لا نتذكر بترتيب زمني، بل بمشاهد وأصوات.
الهامش يتكلم: من البطل الفردي إلى الجماعة الشعبية.
لا يوجد بطل واحد، بل جماعة كاملة: كاترينا الخطّاطة، وعاطف «قرش الدمدم»، وفرج الطلياني، وأبو صباح، وجنّ غارودا، وعيص، وأبو الحياء، ورامي «مجنون الحارة».
هذه الجماعة هي البطل الحقيقي؛ فكل شخصية تحمل جزءًا من الحكاية، وكل حكاية تضيف طبقة إلى الملحمة. هذا البناء يذكرنا بـ«ألف ليلة وليلة» أكثر مما يذكرنا بـ«الإلياذة»: مدينة كاملة تحكي نفسها.
يكتب المؤلف عن أناس لا يظهرون في كتب التاريخ: الفلاح، والإسكافي، والخباز، والمرأة، والطفل، والمعتقل، والمهاجر، والمجنون. وهذا اختيار أخلاقي: أن تمنح الصوت لمن لا صوت لهم.
• اقتصاديات البقاء
الفقر شخصية أولى في الكتاب. يحضر في دكان الأب البائس، وفي «الشِّلن» الذي يُضرب الطفل من أجله، وفي «أفخاذ الدجاج» التي يكتشف الطفل أنها أرجل مرمية، وفي «المجدرة» اليومية.
لكن الفقر لا يُقدَّم بميلودراما. تخترع الأم حيلة: تضع الطنجرة في صينية وتقول إن الجارة أرسلتها، فيأكل الأطفال بشهية. هذا ليس كذبًا، بل فن للبقاء.
الكرامة هي المسألة الأصعب؛ فالطفل يُضرب حتى يفقد وعيه، لكنه لا يتراجع، والجد يرفض تعويضًا من صديق أميركي. الفقر لا يلغي الكرامة، بل يجعلها أكثر هشاشة وأهمية.
• النساء في مواجهة النسيان
النساء صانعات الحياة: يخبزن، ويطبخن، ويلدن، ويُدْفَنّ. لكنهن أيضًا صانعات الحكاية: كاترينا الخطّاطة تقرأ الطالع، وكاترينا العزباء تقسّم الغرفة بالطبشورة، وشفيقة تتحمل زوجها حتى الموت، وندى تكذب على العسكري لتحمي جارها الفدائي.
المشهد الأكثر دلالة: الأم التي تحلف الأيمان الغليظة لتحمي جارها، ثم نراها ليلًا تصلي أمام العذراء وتطلب المغفرة لأنها كذبت. المرأة هنا ليست قديسة ولا مذنبة، بل إنسانة في منطقة رمادية. النساء يواجهن النسيان بالحكي؛ يحفظن الحكايات وينقلنها.
الضحك سلاح
خيط واحد يربط كل الحكايات: الفكاهة السوداء.
مشهد زوج كاترينا الذي يموت لأنه رفض الحلاوة «السادة» وأصرّ على «المحشية»: مشهد مضحك ومأساوي. ومشهد الدجاجة المجمدة التي يُضرب بها زريفة: مشهد مضحك ومؤلم.
هذه فكاهة القهر؛ فكاهة من لا يملك شيئًا إلا الضحك. واللغة تمزج الفصحى السردية بالعامية الأردنية في الحوارات؛ فالفصحى تمنح وقارًا ملحميًا، والعامية تمنح حياة وشعبية. وهذا المزج يخلق توترًا خصبًا، رغم أن بعض المفردات قد تحتاج إلى شرح قاموسي ومعجمي لغير الأردنيين.
• كل نهاية هي بداية