من أهم العوامل وأكثرها فعالية في تكوين الهوية الوطنية لأي أمة تشكيلُ خصوصية ثقافية وطنية؛ فالشخصية الوطنية لا تترسخ في الإطار السياسي أو الجغرافي للدولة فحسب، وإنما تتكوّن كذلك روحيا ووجدانيا عبر سلسلة من العمليات الثقافية التي تعمل على رسم ملامح مميزة لهوية وطنية تجد طريقها إلى الشعور الجمعي للمواطنين. وهي هوية قادرة على إثارة العواطف والانفعالات المرتبطة بالوطن، بوصفه مكانا، وبكل ما يتصل به من مظاهر الحياة، واللغة، والعادات، والخصائص الاجتماعية والثقافية التي تجعل الذين يشتركون فيها يشعرون بالانتماء إلى المكان والتعريف به والتعرف إليه.
وإذا انطلقنا من هذا التصور للبحث في الدور الذي قام به المثقفون الأردنيون، وفي مقدمتهم عرار، وجدنا أنفسنا أمام فعل ثقافي وطني عميق التأثير، ولا سيما أن هذا الفعل جاء في مرحلة تأسيس الدولة الأردنية، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وتفككها. آنذاك كانت الدولة الجديدة ترسي قواعدها، وكانت ملامح الهوية الوطنية في طور التشكل وإعادة تنظيم عناصر الانتماء المحلي والاجتماعي والثقافي ضمن إطارها الجديد.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة الوثيقة بين عرار والهوية الوطنية الأردنية؛ فقد جعل الأردن، مكانًا وإنسانًا، محورًا أساسيًا في شعره وكتاباته، وحوّل تفاصيل الحياة فيه إلى مادة شعرية وثقافية. ولم يكن الوطن عنده مفهومًا سياسيًا مجردًا، وإنما كان مكانًا حيًا، له تضاريسه وأسماؤه وناسه ولغته وعاداته وذاكرته. ومن خلال ذلك كله أسهم شعره في تحويل الجغرافيا إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وجدان، والوجدان إلى أحد مكونات الهوية الوطنية.
وهذا ما يجعل تجربة عرار ظاهرة جديرة بالتأمل في تاريخ الحركة الثقافية الأردنية؛ فهو شاعر أولًا، وسياسي وطني ثانيًا، حاول أن يحمل عبء التعبير عن خطاب وطني وسياسي وتكوينه في سياقات وجدانية لا تنفصل عن الإطار القومي الأوسع، ولكنه في الوقت نفسه عمل على تعميق الحس بالمكان والناس، وعلى التعبير عن روح المجتمع الذي عاش فيه.
وتتمثل المسألة الأهم في هذا السياق في تشكيل وجدان وطني جامع عبر خطاب شعري مشبع بالطوابع الوجدانية المرتبطة بالأردن، مكانًا وإنسانًا. ولعل هذا ما منح عرار حضورًا مستمرًا في الشعور الجمعي؛ فقد كان شعره معبرًا عن أشواق الناس وعاداتهم وصور حياتهم وقضاياهم وحقوقهم، حتى أصبح ديوانه، بمعنى من المعاني، ديوانًا شعبيًا يحفظه الناس على تفاوتهم في الثقافة والمعرفة. ولعل اللافت في هذه الظاهرة أن كثيرًا من الأميين كانوا يحفظون شعره ويرددونه، الأمر الذي يكشف عن وصول شعره إلى الذاكرة الشفوية والاجتماعية، لا إلى النخبة الثقافية وحدها.
وإذا كانت استمرارية عرار في الوجدان الشعبي تحتاج إلى تفسير، فإن من أهم مفاتيح هذا التفسير حضور المكان الأردني في شعره. فالأمكنة عنده ليست أسماء جغرافية عابرة، وإنما هي حاملة للذاكرة والانفعال. يقول:
«يا أردنيات إن أوديت مغتربًا
فانسجنها بأبي أنتن أكفاني
وقولوا للصحب واروا بعض أعظمه
في تل إربد أو في سفح شيحان».
ويقول:
«قسما بماحص والفحيـــــ/ ـص وبالطفيلة والثنية
وكروم جلعاد الأشم/ وتربة الغور الغنية
لسواك ما خفق الفؤا/ د ولا تململ يا صبية».
ويقول:
«ظبيات وادي السير هل نفرت
من سربكن الظبية السمرا
فهي التي خطت أناملها
في سفر حبي آية غرّا».
تجمع هذه النصوص بين المكان الأردني وخطاب المرأة المرتبط وجدانيا بالذات المتكلمة، فتغدو الأمكنة جزءا من التجربة العاطفية نفسها. إن إربد وشيحان وماحص والفحيص والطفيلة والغور وجرش ووادي السير ليست مجرد أمكنة ترد في القصيدة، وإنما تتحول إلى علامات ثقافية ووجدانية تستدعي الوطن في صورته الملموسة، القريبة من حياة الناس وذاكرتهم.
وهنا تتجلى أهمية المكان في شعر عرار؛ فهو لا يصف الأردن من الخارج، وإنما يتحدث إليه ومن داخله. المكان عنده مأهول بالناس والذكريات والحب والموت، ولذلك يتحول من جغرافيا إلى هوية معرفة. ولعل هذا يفسر جانبا من قدرة شعره على البقاء؛ فالأمكنة حاضرة في الذاكرة، وخطاب المرأة عنصر جذاب في الشعر العربي، يضيف إلى هذه الجغرافيا بعدا وجدانيا وإنسانيا. وقد أشار ابن قتيبة في القرن الثالث الهجري إلى أن افتتاح القصيدة الجاهلية بذكر الحبيبة والرحيل، يمثل خطابا يستدرج السامعين، ويشد انتباههم.
وفي «عشيات وادي اليابس» عدد كبير من النصوص التي تمثل هذا الحضور للمكان والناس، وتكشف عن وعي عرار بالعلاقة بين الشعر والمجتمع. غير أن الملاحظ أن عرار لم يكتفِ باستحضار المكان الأردني، بل كان واعيا كذلك بأهمية اللغة في بناء خصوصية ثقافية محلية؛ ولذلك استخدم في شعره اللغة المحكية بوعي وقصدية، وظهر ذلك في المفردات والعبارات والصياغات اللغوية التي تنتمي إلى الحياة اليومية للأردنيين.
ولم يقتصر الأمر على المفردات، بل امتد إلى الأمثال والتعابير الشعبية وصور الحياة الاجتماعية في مناحيها المختلفة. فنجد إشارات إلى بعض طقوس الزراعة، والعلاقات الاجتماعية، والألعاب الشعبية التي تخص الأطفال والشيوخ على السواء. يقول:
«هب الهوا وشجاك أن نسيمه
في ضفة الأردن ريح سموم
هب الهوا وأنا وأنت يهمنا
قبض المعاش بيومه المعلوم».
وعبارة «هب الهوا» نفسها مطلع أغنية يرددها الفلاحون الدارسون على بيادر الغلال، فتدخل في القصيدة وهي محملة بذاكرة اجتماعية كاملة، ذاكرة مرتبطة بطقس معبر عن الخصب والعمل الاجتماعي المشترك.
ونقرأ كذلك عبارات مثل: «لحرقت ديك أبيهم»، و"بلطوا البحر»، و«يقيم قيامتي»، و«حياة رأسك»، و«بيض العكوب»، و«سحاحير»، و«الشماليخ». وهذه العبارات أو المفردات ليست مجرد عبارات عامية زين بها الشاعر قصيدته، وإنما هي جزء من نسق لغوي واجتماعي يتصل بحياة الأردنيين وذاكرتهم الشعبية. وما يزال كثير من هذه الصيغ حاضرا في سياقات الحياة اليومية، ولا سيما في البيئات الريفية.
وهذا ما جعل شعر عرار قريبا من لغة الناس، غير منفصل أو بعيد منها؛ وهو ما أسهم في انتقاله من الكتابة إلى الذاكرة، ومن النص الشعري إلى التداول الشفوي. فحين يسمع الناس ألفاظا يعرفونها، وأمكنة عاشوا فيها أو عرفوها، وعادات تمثل جزءا من حياتهم، فإن النص لا يعود غريبا عنهم، بل يصبح جزءا من تجربتهم الخاصة.
وإذا جاوزنا الشعر إلى كتاباته النثرية، السياسية والاجتماعية، وجدنا الاتجاه نفسه نحو ترسيخ الخصوصية الأردنية. فعندما أراد إصدار مجموعة قصصية أطلق عليها، كما جاء في أوراقه، «أول الرقص حنجلة»، وقدمها بوصفها مجموعة قصص أردنية. كما ظهر هذا التوجه في اهتمامه بالشعر البدوي وما يتصل به من عناصر لغوية ودلالية، رأى أنها لا تنفصل عن بنية اللغة الفصيحة، مما يؤكد أن مشروعه الثقافي كان منبثقا من البيئة الاجتماعية واللغوية التي تشكل في إطارها.
وإذا كانت هذه العناصر تسهم في رسم ملامح ثقافية للهوية الوطنية الأردنية، فإن الجانب المكمل لها يتمثل في الدفاع عن الأرض بوصفها حاضنة للوجود الإنساني. فالأرض والإنسان يرتبطان عند عرار ارتباطا حيويا؛ إذ يستمد كل منهما قيمته من الآخر، ويصبح الانفصال بينهما شكلا من فقدان الوجود نفسه.
ومن أهم نصوص عرار التي تعبر عن هذه الفكرة نصه القصصي الحواري «سدوم»، الذي نشرته جريدة «الكرمل» الحيفاوية في 20 حزيران 1934. ففي هذا النص يكشف عرار عن تصور عميق للعلاقة بين الإنسان وأرضه، ويجعل من المكان شرطا من شروط الوجود الإنساني الفاعل.
لقد اعتمدت القصة على الحكاية الدينية المعروفة عن النبي لوط وقومه، حين حل بهم غضب الله، وأصبح مصير سدوم الهلاك. ويأتي الملكان لإخراج لوط منها، لكنه يحاورهما، ويكشف لهما أنه لا يستطيع أن يعيش في غير سدوم؛ فهي المكان الذي يمنحه معنى حياته، والمكان الذي ترتبط به ذاكرته ووجوده. ويسترسل في الحديث عن جمالها والعمل على تزيينها، ناسيا أنها مقبلة على الهلاك، وأنها ستتحول إلى نار ورماد.
يقول مخاطبا الملكين: «لو أنكما افترشتما ثرى سدوم كما افترشته، ورواكما ماؤها العذب كما روّاني، وأظلتكما سماؤها الصافية كما أظلتني، لكان لكما في سدوم رأي غير الذي تريانه الآن».
ثم يقول: «أين أجد في غير سدوم قبورا عزيزة أذرف عليها دمعي السخين، إذا ما ساورتني شهوة البكاء، وظمئت عيناي إلى إراقة الدمع؟».
إن هذا الخطاب يقدم صورة عميقة للتجذر الحيوي بين الإنسان ومكانه. فالمكان هنا ليس مجرد أرض يسكنها الإنسان، وإنما هو كون يختزن التجارب والذكريات والعلاقات الإنسانية. ولعل استحالة نقل القبور تكشف عن أعمق صور الارتباط بالمكان؛ فالإنسان لا يتعلق بالأرض لأنها موضع حياته فحسب، وإنما لأنها تضم كذلك موتاه وأحبته وذكرياته.
ولهذا تبدو «سدوم» في قراءة عرار أكثر من قصة عن مدينة محكومة بالهلاك؛ إنها تعبير عن فكرة الوطن بوصفه امتدادا للوجود الإنساني. فلوط لا يريد أن يغادر المكان الذي عاش فيه، حتى حين يصبح الرحيل وسيلة للنجاة. إن الأرض بالنسبة إليه ليست شيئا يمكن استبداله بأرض أخرى؛ لأنها تحمل ماضيه، وتحتضن ذاكرته، وتمنحه معنى وجوده.
ومن هنا يمكن فهم واحدة من أعمق الدلالات في تجربة عرار: الوطن ليس حدودًا سياسية فحسب، وإنما هو المكان حين يتحول إلى ذاكرة ووجدان، والذاكرة حين تصبح جزءا من هوية الإنسان ووجوده، ولذلك فإن اقتلاع الإنسان من أرضه لا يعني مجرد نقله من مكان إلى مكان، بل يعني قطع الصلة بينه وبين جزء من تاريخه وذاكرته ووجدانه.
وعلى هذا النحو تتضافر في تجربة عرار عناصر المكان واللغة والإنسان والذاكرة؛ فالمكان يمنح الشعر أسماءه وصوره، واللغة تمنحه صوته الشعبي، والإنسان يمنحه تجربته الحية، والذاكرة تمنحه القدرة على البقاء. ومن خلال هذه العناصر مجتمعة أسهم عرار في تحويل الأردن من جغرافيا تُرى إلى وطن يُحس ويُتذكر ويُروى.
ولعل هذا هو السر في استمرار حضور عرار في الوجدان الأردني بعد عقود طويلة من رحيله؛ فهو لم يكتب عن وطن مجرد، وإنما كتب عن وطن له أمكنته، وله لغته، وناسه، وعاداته، وأغانيه، وأحزانه، وقبور أحبته. ولذلك لم يبق شعره في الأوراق وحدها، بل انتقل إلى الذاكرة الشعبية، حيث استمر الوطن في الحضور، حيا بالكلمة والقصيدة والحكاية.