قراءة في رواية »الوزر المالح« لمجدي دعيبس
منذ عتبتها الأولى، تعلن رواية «الوزر المالح» لمجدي دعيبس أنها «رواية عن الحب والحرب». تبدو العبارة للوهلة الأولى تحديدًا لموضوع الرواية، لكنها سرعان ما تتحول إلى مفتاح لقراءتها؛ فالحب والحرب لا يبدوان فيها موضوعين متجاورين، بل قوتين متصارعتين: حرب تقتحم حياة الناس وتعيد تشكيل مصائرهم، وحب يحاول أن يحفظ للإنسان شيئًا من إنسانيته في زمن الموت.
يأتي العنوان نفسه محمّلًا بهذا المعنى؛ فالـ«وِزر» هو ما يحمله الإنسان من تبعة أو ثقل، أما «المالح» فيستدعي الدموع والعرق والمرارة. وكأن الرواية، منذ عنوانها، تشير إلى تاريخ لا يمرّ دون أن يترك أثرًا، وإلى أوزار يحملها الأفراد والجماعات بعد أن تنتهي الوقائع التي صنعتها.
تستند الرواية إلى خلفية تاريخية تتمثل في الحرب العالمية الأولى، وانهيار الدولة العثمانية، والصراع العثماني البريطاني في بلاد الشام وفلسطين، لكنها لا تجعل من التاريخ غايتها الأساسية. فالجنرال ألنبي يظهر من موقع القوة العسكرية، ويختزل في صوته جانبًا من التاريخ الإمبراطوري؛ إنه يرى الحرب من موقع القائد الذي يريد أن يجعل القدس «هدية عيد الميلاد» للإمبراطورية البريطانية. وفي المقابل، يأتي صوت سليم أكرات ليكشف الوجه الآخر للصراع؛ فهو ضابط عثماني يدرك أن الحرب أكبر من مجرد معركة، ويقول: «هذه الحرب الأولى من نوعها. الرابح سيملي شروطه والخاسر سيخسر كل شيء».
وبين ألنبي وسليم تتسع المسافة بين التاريخ الذي تصنعه الجيوش والتاريخ الذي يعيشه الناس. فإذا كان الجنرال يرى الحرب من موقع القيادة والإمبراطورية، فإن فضة تراها من موقع الأم التي تنتظر أبناءها، ويحيى يراها باعتبارها تهديدًا مباشرًا لحياته، بينما تجد مريم نفسها مضطرة إلى دفع ثمنها في حياتها الخاصة.
وهنا تنجح الرواية في نقل التاريخ من مستوى الحدث العسكري إلى مستوى التجربة الإنسانية. فالحرب لا تظهر فقط في الجبهات والمعارك، وإنما في البيت والقرية والزواج والجوع والانتظار. ولذلك فإن غياب غازي عن أمه فضة ليس تفصيلًا عائليًا هامشيًا، وإنما هو الوجه الإنساني لتاريخ لا تسجله كتب الحروب. فخلف كل جندي في السجل العسكري أمّ تنتظر، وأسرة تخشى، وبيت يترقب عودة قد لا تحدث.
ومن هذه الزاوية، تتخذ مريم موقعًا بالغ الأهمية في البناء الروائي. فهي لا تقف خارج التاريخ، وإنما يقع التاريخ عليها مباشرة. يصبح إنقاذ أخيها يحيى من الجندية مرتبطًا بزواجها من سليم، فتدخل في علاقة لم تبدأ باختيار عاطفي حر، وإنما نشأت من ضغط الحرب وسلطة العسكر.
لكن الرواية لا تجعل سليم شخصية أحادية البعد؛ فالرجل الذي يدخل حياة مريم من موقع السلطة العسكرية ينكشف تدريجيًا بوصفه شخصية حساسة ومركبة. يقول في لحظة من لحظات تأمله الأول: «أكاد لا أصدق. هؤلاء الفلاحون كدرو الوجوه ينجبون مثل هذا الوجه الرقيق»، في إشارة إلى رؤيته الأولى لمريم. ومن هذه اللحظة يبدأ التحول الداخلي للشخصية؛ فالرجل الذي جاء إلى القرية بوصفه ضابطًا عثمانيًا يجد نفسه أسيرًا للحب. ويصبح هذا الحب خطًا موازيًا للحرب، لكنه يقف في الجهة المقابلة منها: هناك العنف والإخضاع، وهنا العطف والألفة والمودة. وقد أشار دعيبس نفسه إلى أن ما يشعر به سليم تجاه مريم هو عشق قبل أن يكون رغبة، وأن سليم يضحي في سبيل هذا الحب.
ومن هنا يصبح الحب في الرواية أكثر من ثيمة عاطفية؛ إنه اختبار للإنسانية. فكلما اشتدت قسوة التاريخ، ازدادت الحاجة إلى علاقة تعيد إلى الإنسان فرديته وحقه في الشعور والاختيار.
وإذا كانت الرواية تستعيد التاريخ من خلال التجربة الإنسانية، فإنها تفعل ذلك أساسًا عبر تعدد الأصوات. فكل فصل تقريبًا يمنح الكلام لشخصية مختلفة: سليم، ومصطفى، وأنور، وفضة، ومريم، ويحيى، وعودة، ووردة، وغيرهم. وبذلك لا يوجد راوٍ واحد يحتكر الحقيقة؛ فكل شخصية ترى العالم من موقعها، وتقدم جزءًا من الحكاية، وقد تكشف في أثناء روايتها ما تخفيه شخصية أخرى.
وتكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في الرواية التاريخية؛ لأن التاريخ نفسه يصبح متعددًا بتعدد من عاشوه. أنور، المختار، ينظر إلى الأحداث من موقع الرجل الذي يحاول إدارة القرية وسط تغيرات أكبر منه، ومصطفى يرى الحرب من موقع الجندي الذي يعيش تفاصيلها اليومية، بينما تنظر فضة إليها من داخل تجربة الأمومة. أما مريم فتقدم التاريخ من موقع المرأة التي تحولت حياتها الخاصة إلى ساحة من ساحاته.
وهكذا لا تعود الشخصيات مجرد أدوات لتحريك الحبكة، وإنما تتحول إلى حاملات للذاكرة. فكل شخصية تحمل تاريخها الخاص، وحين تتكلم تضيف إلى التاريخ العام طبقة من التجربة الشخصية.
ويصل هذا التعدد إلى ذروته حين تصبح الرواية نفسها واعية بعملية صناعة الحكاية. ففي حكاية «المغادرة» تتعدد الروايات، ويضيف بعض الرواة إلى الحدث ويحذف آخرون منه، بحيث لا يعود السؤال متعلقًا بما حدث فقط، وإنما بكيفية وصول ما حدث إلينا. هنا يظهر البعد الميتاسردي في الرواية: الحكاية تروي نفسها، وفي الوقت ذاته تكشف آليات تشكلها وانتقالها من شخص إلى آخر.
ومن ثم يصبح السؤال: من يمتلك الحقيقة؟ هل هي رواية من شهد الحدث؟ أم رواية من حفظه في ذاكرته؟ أم الرواية التي تناقلها الناس حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية؟
وهذه المسألة تجعل العلاقة بين التاريخ والذاكرة مركزية في الرواية. فالتاريخ الرسمي يحتفظ بأسماء القادة والمعارك والانتصارات والهزائم، بينما تحفظ الذاكرة تفاصيل أكثر هشاشة، لكنها أكثر التصاقًا بالإنسان: وجه أم، غياب ابن، حب لم يكتمل، خوف من التجنيد، أو بيت ينتظر عودة صاحبه.
ولذلك فإن الرواية لا تعيد كتابة التاريخ من الأعلى، وإنما تكتبه من الداخل؛ من داخل البيوت والقرية والعلاقات الإنسانية. ومن خلال هذه التفاصيل يتحول الحدث التاريخي من معلومة إلى تجربة.
ويتصل بذلك الزمن الروائي الذي لا يسير في خط مستقيم. فالشخصيات تستعيد ماضيها، وتعود إلى طفولتها وعلاقاتها وما سبق الحرب، ثم تعود إلى الحاضر. ويكتسب الحدث معنى جديدًا كلما مرّ عبر ذاكرة شخصية أخرى. فالماضي هنا ليس زمنًا منتهيًا، وإنما حاضر مستمر داخل الشخصيات.
وتبدو هذه التقنية ضرورية؛ لأن الرواية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه تسلسلًا للوقائع، وإنما بوصفه ذاكرة. والذاكرة بطبيعتها لا تسير وفق ترتيب زمني منتظم؛ إنها تستدعي الماضي وفق ما يثيره الحاضر.
ولا ينفصل الزمن عن المكان. فالقرية والبيوت والحقول والبركة والمغارة ليست مجرد أماكن تجري فيها الأحداث، بل تتحول إلى مستودعات للذاكرة. وحين يستعيد سليم أو فضة أو أنور تفاصيل المكان، فإنهم لا يستعيدون جغرافيا محايدة، وإنما يستعيدون حياة كاملة ارتبطت بذلك المكان.
ومن هنا تتداخل في الرواية مجموعة من الثيمات: الحرب والحب والفقد والأمومة والجوع والفقر والزواج والهوية. غير أن هذه الثيمات تعود كلها إلى سؤال واحد: ماذا يفعل التاريخ بالإنسان؟
فبالنسبة إلى ألنبي، الحرب مشروع عسكري وإمبراطوري؛ وبالنسبة إلى سليم، هي واجب عسكري يتحول تدريجيًا إلى مأزق إنساني؛ وبالنسبة إلى فضة، هي غياب وفقد وانتظار؛ وبالنسبة إلى مريم، هي قوة تتدخل في الحب والزواج والاختيار؛ وبالنسبة إلى يحيى، هي خطر يهدد حياته مباشرة. الحدث واحد، لكن معناه يتغير بتغير موقع من يعيشه.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم امتزاج السرد التقليدي بالسرد الحديث في الرواية. فهي تحتفظ بالحكاية والشخصيات والمكان والمرجعية التاريخية، لكنها تعيد بناء هذه العناصر من خلال تعدد الأصوات، وتغيير وجهات النظر، وكسر التسلسل الزمني، والاسترجاع، والوعي بفعل الحكي. إنها لا تتخلى عن الحكاية، وإنما تعيد تشكيلها.
ولذلك يصعب الحديث عن بطل واحد في «الوزر المالح». فالبطولة موزعة بين سليم ومريم وعودة ويحيى وفضة وأنور ومصطفى وألنبي وغيرهم، بحيث تبدو الجماعة نفسها بطلًا مركبًا. وكل شخصية تضيف جزءًا إلى الصورة التي لا تكتمل إلا باجتماع الأصوات.
وفي هذا تكمن إحدى نقاط قوة الرواية: أنها لا تقدم التاريخ بوصفه حقيقة نهائية، وإنما بوصفه مادة تتجدد كلما أعيد سردها. فالواقعة تصبح ذاكرة، والذاكرة تصبح حكاية، والحكاية تصبح موضعًا للاختلاف والتأويل.
إن «الوزر المالح» ليست، بهذا المعنى، رواية عن الحرب وحدها، ولا عن الحب وحده، وإنما عن الإنسان الذي يحمل أثر التاريخ في ذاكرته. ولهذا فإن سؤالها الأعمق ليس: ماذا حدث في تلك الحرب؟ وإنما: ماذا بقي منها في الذين عاشوها؟
بين ألنبي وسليم، وفضة ومريم وعودة ويحيى، تتعدد صور التاريخ، ولا تعود الحقيقة صوتًا واحدًا. فالتاريخ الرسمي يقول شيئًا، والذاكرة الشخصية تقول شيئًا آخر، أما الرواية فتجمع هذه الأصوات وتترك للقارئ مهمة إعادة تركيب الماضي.
وهنا تتحدد دلالة «الوزر المالح»: إنه ليس وزر الحرب وحدها، وإنما وزر ما يبقى منها؛ الذاكرة، والفقد، والحب، والندم، والحكايات التي لا تنتهي بانتهاء أصحابها.
وبذلك تتحول الرواية من استعادة للماضي إلى مساءلة لطريقة استعادته، ومن رواية تاريخية إلى رواية عن التاريخ حين يعبر من الوثيقة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى التخييل.