البعد الأول: لغة يفهمها العالم ويعيها
تحدث جلالة الملك بلغة القانون والمساءلة ودولة المؤسسات، وهي لغة مشتركة يفهمها العالم بأسره، ويعرفها الغرب تحديدًا لأنها لغته. ففكك المصطلحات الملطّفة، موضحًا أن هدم المنازل لتوسيع المستوطنات ترحيل قسري لا إنفاذا للقانون، وأن الاستيلاء على الأرض ضم فعلي لا إجراء إدارياً، وأن عنف المستوطنين يصبح سياسة دولة حين يقف الجنود متفرجين أو شركاء. هذه المنهجية لا تطلب من المتلقي أن يتبنى رواية عربية، بل أن يكون منسجمًا مع المعايير التي يؤمن بها. وخاطب جلالته أوروبا بمنطق المصلحة لا التضامن وحده، فربط اضطراب المنطقة بفواتير الطاقة والغذاء في مدن العالم، وذكر مدريد بالاسم، ووضع فلسطين في السياق ذاته الذي وضع فيه أوكرانيا والسودان، مؤكدًا أن المبادئ لا تتبدل بتبدل اتجاه الكاميرا. وبذلك قدّم الأردن نفسه شريكًا موثوقًا للعالم ولأوروبا خاصة، ثابت المواقف في زمن تتبدل فيه الحسابات يوميًا.
البعد الثاني: القانون الدولي وأزمة الثقة بالمؤسسات
في قلب الخطاب سؤال طرحه جلالته بلا مواربة: إذا كان من الممكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا تبقى من قيمته؟ إنه تشخيص لأزمة بنيوية؛ فالقانون المطبق انتقائيًا يتحول إلى أداة قوة، والمؤسسات العاجزة عن إنفاذ قراراتها تفقد شرعيتها. والأدوات موجودة، من العقوبات إلى العزل الدبلوماسي، وقد استُخدمت في أزمات أخرى، لكنها تبقى حبرًا على ورق حين يتعلق الأمر بإسرائيل. ومن هنا أكد جلالته أن القوة العسكرية لا تطعم جائعًا ولا تبني سلامًا، وأن تحديات العصر تحتاج إلى مؤسسات شرعية وثقة بأن القوانين ستُطبق فعلًا.
البعد الثالث: إحياء القضية الفلسطينية بوضوح وعدالة
وهو البعد الأعمق أثرًا؛ إذ أعاد الخطاب طرح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بصيغة لا تقبل التمييع، مفككًا ثلاثة أوهام حكمت المقاربة الدولية طويلًا: أن غزة والضفة قصتان منفصلتان، وهما وجهان لاستراتيجية واحدة غايتها جعل الدولة الفلسطينية مستحيلة؛ وأن رفض الحكومة الإسرائيلية للدولة موقف قابل للتغيير، وهو يُكرَّس على الأرض منذ أوسلو؛ وأن العرب لم يسعوا إلى السلام، بينما بقيت مبادرة السلام العربية مطروحة أكثر من عشرين عامًا دون شريك إسرائيلي يقبلها.
كما نزع الخطاب عن الصراع قناع "حرب الأديان"، مؤكدًا أنه صراع على حق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، في الحقوق ذاتها التي يتمتع بها سائر البشر. وحين وسّع جلالته دائرة التحذير لتشمل التوغلات في الجنوب السوري ومصادر المياه، جاء الموقف الأردني حاسمًا: أمن الحدود الشمالية والأمن المائي جزء من الأمن الوطني، والأردن لن يشيح بنظره. كما قدّم الخطاب نموذج دولة متمسكة بالدبلوماسية، لكنها ترفض أن يُفهم هذا التمسك ضعفًا. وإذا كان البعدان الأول والثاني قد مهّدا الطريق لإقناع العقل العالمي، فإن البعد الثالث هو ما سيبقى في ذاكرة القاعة. فالتقاعس الدولي، كما قال جلالته، لم يعد نقصًا في الأدوات بل يعد خيارًا، والتاريخ لن يسأل الدول عمّا قالته، بل عمّا اختارت أن تتجاهله.