لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين مجرد مشاركة بروتوكولية في محفل دولي، بل كان وثيقة سياسية وأخلاقية تعبّر عن ضمير الأردنيين، وتضع العالم أمام مسؤولياته. ومن هنا نعلن تأييدنا الكامل لكل ما ورد فيه، ووقوفنا خلف قيادة جلالته.
انطلق جلالته من فكرة لافتة هي الانتباه، فنبّه إلى أن ما يختار العالم أن يلتفت إليه يحدد مصير النزاعات، وأن ما نهمله اليوم كثيراً ما يرسم ملامح مستقبلنا. وهي قراءة تعكس خبرة قائد عاصر أزمات المنطقة لعقود، وحذّر منها قبل أن تتفاقم.
وفي الشأن الفلسطيني، تحدث جلالته بوضوح نادر في المحافل الدولية، فأشار إلى استمرار الاعتداءات في غزة رغم ما سُمّي وقفاً لإطلاق النار، واستهداف المستشفيات الميدانية الأردنية هناك. وفي الضفة الغربية، سمّى هدم البيوت ترحيلاً قسرياً، والاستيلاء على الأرض ضماً فعلياً، مؤكداً أن غزة والضفة وجهان لاستراتيجية واحدة هدفها منع قيام الدولة الفلسطينية.
وذكّر جلالته العالم بأن العرب لم يغيبوا يوماً عن طاولة السلام، فمبادرة السلام العربية عام 2002 عرضت التطبيع مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية، وأن العقبة لم تكن غياب الشريك العربي، بل غياب حكومة إسرائيلية مستعدة للقبول.
ولعل أقوى ما في الخطاب أنه حمّل المجتمع الدولي مسؤوليته مباشرة؛ فالعالم يملك أدوات الضغط من عقوبات وتجميد أصول وعزل دبلوماسي، واستخدمها في قضايا أخرى، لكنه يتقاعس عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. وهذا التقاعس، كما قال جلالته، خيار لا عجز.
وللأردنيين جاءت الرسالة حاسمة؛ إذ نبّه جلالته إلى التوغلات في جنوب سوريا وما تمسّه من مصادر مائية حيوية، وأكد أن أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي: «سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا». وشدّد على أن تمسّك الأردن بالدبلوماسية لا يعني الضعف، ولا ينبغي لأحد أن يعتبره أمراً مسلّماً به.
وجدّد جلالته التزام الأردن بدعم صمود الشعب الفلسطيني ووكالة الأونروا، وبحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وباسم القطاع الفندقي والسياحي، نؤكد أن ما طرحه جلالته يمسّ صميم عملنا ومستقبل قطاعنا؛ فالسياحة هي القطاع الأكثر تأثراً بأزمات المنطقة، وأول من يدفع ثمن غياب الاستقرار، حين تُلغى الحجوزات وتتراجع حركة الزوار بسبب أحداث تقع خارج حدودنا. ولذلك فإن دعوة جلالته إلى معالجة جذور الأزمات بدلاً من إدارتها، وتحقيق سلام عادل وشامل، هي دعوة لحماية أرزاق آلاف الأسر الأردنية العاملة في هذا القطاع. ونحن على ثقة بأن الأردن، بقيادته الحكيمة وما يتمتع به من أمن واستقرار، سيبقى واحة آمنة ووجهة موثوقة للزائرين من مختلف أنحاء العالم، وسيواصل القطاع الفندقي والسياحي دوره شريكاً في تقديم صورة الأردن المشرقة: بلد الأمن والضيافة والتاريخ والانفتاح.
إن هذا الخطاب يجسّد نموذج الأردن الذي أراده جلالته: دولة وفية لمبادئها، منفتحة على الحوار، ثابتة في مواقفها رغم تقلّب الحسابات من حولها. ونحن إذ نؤيد كل ما جاء فيه، نؤكد أن الأردنيين سيبقون صفاً واحداً خلف قيادتهم الهاشمية، سنداً لها في الدفاع عن الوطن وعن قضايا الأمة العادلة.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.