يقف العالم في كل عام أمام منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ليستمع إلى خطابات سياسية سرعان ما تذوب في زحام الأحداث، لكن حين يعتلي جلالة الملك عبدالله الثاني هذه المنصة، يتحول المشهد إلى محاكمة أخلاقية ومكاشفة تاريخية تضع المجتمع الدولي أمام مرآة نفسه. في هذا الخطاب الاستثنائي، لم يكتفِ جلالته بتشخيص الأزمات، بل قدم «تشريحاً دقيقاً» لآليات التفكير العالمي، محولاً الانتباه من مجرد حالة إدراكية إلى سلاح جيوسياسي يحدد مصائر الشعوب، ومطلقاً صرخة مدوية لرفع الظلم بإرادة لا تلين.
سياسة الانتباه وتفكيك «حرب المصطلحات»
انطلق جلالة الملك من حقيقة علمية مقلقة تتمثل في تراجع مدة انتباه الفرد إلى 47 ثانية، ليؤسس عليها قاعدة سياسية عميقة: الانتباه اليوم هو مورد جيوسياسي. فما يختار العالم التركيز عليه أو تجاهله هو ما يحدد بقاء نزاع ما أو حله. وفي خضم هذا التشتت، قاد جلالته هجوماً مضاداً لتفكيك ماكينة التضليل الإسرائيلية التي تستخدم «حرب المصطلحات» لتجميل جرائمها في الضفة الغربية وتبرير إبادتها في غزة.
بوضوح حازم، أسقط الملك الأقنعة اللغوية عن ممارسات الاحتلال، واضعاً النقاط على الحروف:
ليس «تنفيذاً للقانون» بل ترحيلاً قسرياً: هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات هو جريمة حرب مكتملة الأركان.
ليس «تسجيلاً للأراضي» بل ضماً فعلياً: مصادرة الأراضي هي سرقة ممنهجة لتغيير جغرافية المكان.
ليست «بنية تحتية أمنية» بل منظومة قمعية: الحواجز الخانقة صُممت لكسر إرادة شعب بأكمله.
ليس «شغب مستوطنين» بل إرهاب دولة: الاعتداءات تتم تحت حراسة ومشاركة جنود الاحتلال، مما ينفي عن إسرائيل صفة «الدولة الديمقراطية» التي تدعيها.
تحطيم الأوهام الكبرى وسقوط سردية «حرب الأديان»
لم يترك جلالته مجالاً للمراوغة، بل واجه المجتمع الدولي بالأوهام التي يختبئ خلفها لتبرير تقاعسه. أولى هذه الأوهام هي محاولة القيادة الإسرائيلية تصوير صراعها على أنه «حرب أديان» بين الإسلام من جهة، واليهودية والمسيحية من جهة أخرى. دحض جلالته هذه السردية، مؤكداً أنه صراع حقوقي بحت؛ صراع حول استحقاق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، للعيش بكرامة وإنسانية.
كما فكك الخطاب أوهاماً سياسية أخرى طالما رُوّج لها:
وهم الانفصال: غزة والضفة الغربية ليستا قصتين منفصلتين، بل هما جبهتان لاستراتيجية إسرائيلية واحدة تهدف إلى جعل قيام الدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً.
وهم غياب الشريك العربي: ذكّر جلالته العالم بمبادرة السلام العربية لعام 2002، والتي عرضت تطبيعاً شاملاً مقابل السلام، ليثبت أن العقبة لم تكن يوماً في العرب، بل في حكومات إسرائيلية ترفض السلام جذرياً.
الإفلات من العقاب: حين يصبح التقاعس خياراً دولياً
بانتقال سلس وعميق، تناول جلالته مأساة غزة التي أثبتت أن العالم اختار «احتواء» الصراع بدلاً من «حله». لقد أشار الملك إلى حجم الكارثة الإنسانية واستهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، وتجاهل الحكومة الإسرائيلية لكل المبادرات الدولية، بما فيها جهود الرئيس ترمب السابقة للسلام.
وهنا، وجّه الملك ضربة قاصمة لازدواجية المعايير الدولية، مؤكداً أن التقاعس العالمي هو خيار متعمد. فالمجتمع الدولي يمتلك أدوات فاعلة كالعقوبات وتجميد الأصول والعزل الدبلوماسي، وقد استخدمها في قضايا أخرى، لكنها تصبح «حبراً على ورق» عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. هذا الصمت خلق «دولة بلا رادع»، باتت أطماعها التوسعية تهديداً إقليمياً يمتد ليمس سيادة دول أخرى كسوريا ومصادرها المائية، في اختبار مستمر لمدى تساهل العالم.
ثوابت الأردن: لاءات حازمة ومسار مزدوج للبناء
أمام هذه الفوضى الإقليمية، رسم جلالة الملك الخطوط الحمراء للأمن القومي الأردني بصرامة تامة. الأردن لا يغض الطرف، وأي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي هو مساس مباشر بأمنه الذي سيحميه بكل قوة.
ومع ذلك، قدم جلالته النموذج الأردني كمنارة للاستقرار الاستراتيجي، رافضاً الخيار الصفري بين إدارة الأزمات وبناء المستقبل. فالأردن يسير في مسار مزدوج: يعزز دوره كمركز إقليمي للتجارة والتكنولوجيا، بينما يتصدى للإرهاب وتهريب المخدرات. يحمي المسيحية في موطنها الأصلي، ويدافع عن الإسلام ضد أصوات الكراهية. وفوق كل ذلك، يتمسك بـ«الوصاية الهاشمية» كدرع حامٍ للمقدسات في القدس، مستمراً في دعم وكالة الأونروا وصمود الشعب الفلسطيني.
لقد اختتم جلالة الملك خطابه بحقيقة لا تحتمل التأويل: القوة العسكرية لا تصنع سلاماً، والسلام لا يقوم على قانون القوة، بل على قوة القانون.
ومن هنا، يضع الصوت الهاشمي العالم أمام سؤاله الأصعب: إذا كانت الحقيقة معلومة، والقانون قائماً، وأدوات الردع متاحة، فلماذا تبقى العدالة غائبة؟
ذلك هو جوهر الرسالة الملكية: أن أخطر ما يواجه العالم ليس غياب القدرة على معرفة الحق، بل غياب الإرادة لإنفاذه.
فالتاريخ لا يحاكم العالم بما قاله حين رأى الظلم، بل بما فعله بعد أن رآه.
- الناطق الإعلامي لبلدية سحاب