صدر نظام الخبرة لدى المحاكم النظامية رقم "48" لسنة 2026 في سياق تطوير منظومة الخبرة القضائية في الأردن. يؤكد النظام وظيفة الخبراء بوصفهم أعواناً للقضاء يضعون معرفتهم الفنية في خدمة العدالة. واستحدث النظام السجل الإلكتروني للخبراء، وقلم الخبرة في المحاكم، ونظام الدور في تسميتهم، والتأهيل المستمر، والتجديد السنوي للاعتماد، وتقييم الأداء والرقابة التأديبية. ومن شأن هذه الأدوات رفع جودة التقارير، وتقليل الاعتراضات عليها والحاجة إلى تكرار الخبرة، بما يتلافى بطء التقاضي وزيادة كلفته.
وتتطلب جودة الخبرة معرفة حديثة ومهارة عملية متصلة بموضوع النزاع؛ فلا تكفي شهادة قديمة أو ممارسة طويلة إذا انقطعت معرفة الخبير عن التطورات العلمية، ولا سيما في الطب والهندسة والتقنيات الرقمية. ومع ذلك، يجب التمييز بين حداثة معرفة الخبير والزمن الذي تقيم فيه إجراءات المهني وقراراته محل النظر في الدعوى: فالخبير يستعين بمعرفته الحالية، لكنه يقيّم السلوك المهني بمقياس القواعد والمعرفة والموارد التي كانت متاحة وقت الواقعة، لا وفق ما كشفه العلم لاحقاً. ولعل هذه المسألة تبرز بوضوح في المسؤولية الطبية.
فقد عرّف قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم "25" لسنة 2018 الخطأ الطبي بأنه الفعل أو الترك أو الإهمال المخالف للقواعد المهنية السائدة ضمن بيئة العمل المتاحة وينجم عنه ضرر. وإذا لم يوجد بروتوكول أردني معتمد ينطبق على الحالة، وجب على الخبير بيان الأساس العلمي لرأيه: أهو ممارسة مستقرة في الأردن، أم إرشادات دولية أو بروتوكول أجنبي أو بحث علمي معاصر للواقعة؟ كما يجب أن يوضح صلاحية المرجع للتطبيق في مكان تقديم الخدمة وظروفها.
ولا يحل الخبير محل القاضي. فمهمته وصف الوقائع وتسلسلها وتحديد الإجراءات المهنية وموقعها من الأصول العلمية المعاصرة لها وبيان ما إذا كانت تقع ضمن نطاق الاجتهاد المقبول. أما تفسير النصوص ووزن الأدلة وتقرير الخطأ القانوني والضرر والسببية وتوزيع المسؤولية فمن صميم وظيفة المحكمة؛ فتعيين الخبير استعانة بمعرفة فنية لا تفويض بالوظيفة القضائية، ورأيه لا يقيد المحكمة بموجب المادة "86" من قانون أصول المحاكمات المدنية.
كذلك، لا يعني اختلاف رأي الخبير عن قرار المهني محل النظر في الدعوى ثبوت الخطأ. فقد تتعدد الآراء المقبولة بشأن ترتيب الفحوص الطبية، مثلا، أو المفاضلة بين العلاج الدوائي والجراحي، وتوقيت الجراحة، كما قد تختلف البروتوكولات بين الدول. والمعيار ليس ما كان الخبير سيفعله شخصياً، بل ما إذا كان القرار يخرج عن الحدود التي يمكن أن يتبناها مهني كفء ومتبصر في الظروف نفسها. لذلك ينبغي للخبير عرض الآراء المهنية المعتبرة، وبيان سبب ترجيحه وحدود يقينه، لذلك تلزم إرشادات المجلس الطبي البريطاني الخبير صراحة بتسبيب رأيه.
ويكتسب تسبيب الرأي الفني أهمية خاصة لأن الخبير يعمل بعد معرفة النتيجة. فقد يجعل انهيار مبنى أو وفاة مريض أو خسارة دعوى النتيجة تبدو أكثر قابلية للتوقع مما كانت عليه، وقد تدفع جسامة الضرر إلى تقييم سلبي متشدد للسلوك المهني، كما تبينه دراسات علمية في علم النفس المعرفي وتطبيقاته في القانون. ولهذا يجب إعادة بناء تسلسل الوقائع من منظور سابق على النتيجة، وتحديد المعلومات والبدائل والمخاطر المتاحة وقت القرار، والفصل بين عدم تحقق النتيجة المرغوبة وبين الإخلال بواجب العناية.
وعلى الخبير أن يسأل نفسه: هل كنت سأوجه النقد ذاته لو كانت نتيجة السلوك المهني أفضل؟ وهل الإجراء البديل محل إجماع علمي؟ وما مخاطره في الظروف الخاصة للحالة؟ وبهذا يصبح التقرير المسبب أداة تمكّن القاضي والخصوم من اختبار الرأي الفني، وتحمي المتضرر من الإهمال، وتحمي المهني من تحويل التزامه ببذل عناية إلى التزام بتحقيق نتيجة. وهو التوازن الذي تصونه قواعد المسؤولية المهنية وتقتضيه العدالة القضائية والمصلحة العامة معا. كما يعزز ذلك دور المحكمة في تقييم أداء الخبير وفقا لأحكام النظام.