طرح جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين فكرة تتجاوز حدود السياسة اليومية، حين قال: "انتباهنا أصبح مورداً نادراً"، وربطها بحقيقة نعيشها جميعاً: عالم تتسارع فيه المعرفة والتكنولوجيا والأزمات، بينما تتراجع قدرتنا على منح القضايا الوقت والتركيز اللازمين. ولم يقدّم جلالته الانتباه باعتباره مسألة فردية فحسب، بل وصفه بأنه مورد معرفي وجيوسياسي، لأن ما نختار أن نمنحه اهتمامنا يحدد، إلى حد كبير، ما الذي يبقى حاضراً في الوعي العام وصنع القرار الدولي.
ولعل أهمية هذه الفكرة تكمن في أنها تنقلنا من سؤال "كم نعرف؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "إلى ماذا ننتبه؟". ففي عصر لم تعد فيه المعلومات شحيحة، بل أصبحت متاحة على مدار الساعة، لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة بقدر ما أصبحت في القدرة على التمييز بين ما هو مهم وما هو عابر، وبين ما يستحق المتابعة وما صُمم أساساً لجذب أعيننا للحظات ثم الانتقال بنا إلى موضوع آخر.
والرقم الذي أورده جلالة الملك في خطابه يستحق التوقف عنده. فقد أشار إلى دراسة وجدت أن متوسط مدة الانتباه على الشاشة انخفض من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية. وتعود هذه الأرقام إلى أبحاث عالمة المعلوماتية غلوريا مارك وزملائها، التي تابعت سلوك مستخدمي الشاشات على مدى سنوات. وهي لا تعني، بطبيعة الحال، أن الإنسان لم يعد قادراً على التركيز، وإنما تكشف عن بيئة رقمية أصبح الانتقال السريع بين المعلومات والمهام جزءاً من طبيعتها.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية. فحين تتنافس الأخبار والإعلانات والمنصات الرقمية والمحتوى المرئي والتنبيهات المستمرة على انتباه الإنسان، يصبح الانتباه مورداً له قيمة اقتصادية واجتماعية وثقافية. المؤسسات الإعلامية تحتاجه للوصول إلى الجمهور، والشركات تحتاجه لبناء الأسواق، والمؤسسات التعليمية تحتاجه لإيصال المعرفة، والحكومات تحتاجه لإقناع المواطنين بأهمية السياسات العامة، فيما تحتاج قضايا البيئة والصحة والتنمية إلى انتباه مستمر حتى لا تختفي خلف أزمة جديدة أو حدث أكثر إثارة.
ومن هذه الزاوية، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من السؤال لا الإجابة الوحيدة عنه. فالأنظمة الذكية تستطيع تحليل كميات هائلة من المعلومات وتخصيص المحتوى والتنبؤ بالاهتمامات، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامنا مسؤولية أكبر: كيف نستخدم التكنولوجيا لتوجيه الانتباه نحو المعرفة الموثوقة، والقضايا ذات الأولوية، والفرص التي تخدم الإنسان، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة ما يحصد أكبر قدر من المشاهدة؟
وينطبق الأمر ذاته على السياحة. فالمنافسة بين الوجهات لم تعد فقط على جذب السائح، وإنما على جذب انتباهه وسط آلاف الخيارات، ثم تحويل هذا الانتباه إلى تجربة ذات قيمة. ويمكن للبيانات والذكاء الاصطناعي أن يساعدا في تعريف الزائر بوجهات أقل ازدحاماً، وتشجيعه على السفر خارج مواسم الذروة، بما يخدم السائح والاقتصاد المحلي واستدامة المواقع في آن واحد.
وهذا يضع مسؤولية مشتركة على المؤسسات والأفراد معاً. فالمؤسسة التي تنتج المعرفة مطالبة بأن تجعلها قابلة للفهم والوصول، والمؤسسة التي تمتلك التكنولوجيا مطالبة بأن تستخدمها بمسؤولية، والمدرسة والجامعة مطالبتان ببناء القدرة على التفكير النقدي، والإعلام مطالب بالتمييز بين ما يجذب الانتباه وما يستحقه فعلاً. أما الفرد، فامتلاك القدرة على اختيار ما يستحق وقته وتركيزه قد يصبح إحدى أهم مهارات الحياة في هذا العصر.
لكن الفكرة تتجاوز التكنولوجيا والاقتصاد والسياحة إلى سؤال أوسع يتعلق بإدارة الأولويات الوطنية والعالمية. فالتحديات الكبرى، كما أشار جلالة الملك، لا تظهر فجأة؛ التفاوت الاقتصادي، وانعدام الأمن الغذائي، وتغير المناخ، والنزاعات، كلها تحمل مؤشرات وتحذيرات تسبق الأزمات. المشكلة ليست دائماً في غياب المعرفة، وإنما في قدرتنا على إبقاء انتباهنا موجهاً إليها بما يكفي لتحويل المعرفة إلى فعل.
لذلك، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بعد خطاب جلالة الملك ليس فقط: ماذا نفعل؟ بل أيضاً: ماذا نختار أن ننتبه إليه؟ ففي عالم يتنافس على عقولنا ووقتنا، قد يصبح حسن إدارة الانتباه شكلاً جديداً من أشكال المسؤولية. وما نمنحه اهتمامنا اليوم، قد يحدد، أكثر مما نتوقع، شكل المستقبل الذي سنعيشه غداً. فالمستقبل لا تصنعه سرعة استجابتنا للأحداث فقط، بل قدرتنا على اختيار الأولويات التي تستحق الاستمرار طويلاً.