جاء الخطاب الأخير لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ليعبر بدقة عن الشجاعة والوضوح اللذين طالما ميزا المواقف الأردنية في أحلك الظروف. لم يكن الخطاب مجرد كلمة رسمية تُلقى في محفل دولي، بل كان وثيقة موقف ورسالة حازمة تحمل في طياتها نبرة الحكمة المسؤولة والالتزام الأخلاقي والإنساني تجاه القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
تُقاس قيمة الكلمة السياسية بما تحمله من مسؤولية، وبقدرتها على أن تعيد الإنسان إلى قلب القرارات. بهذا المعنى قرأت خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، يوم ٢٢ أيلول ٢٠٢٦؛ خطابًا يستحق التوقف عند منطقه ووضوحه، وعند تلك الصلة العميقة التي أقامها بين كرامة الإنسان وأمن الأوطان ومصداقية المجتمع الدولي.
استوقفني مدخل الخطاب حين تناول تراجع الانتباه في عصر الشاشات، وربطه بما تحظى به الأزمات من اهتمام سياسي. وأرى في هذا المدخل اختيارًا ذكيًا؛ فالمشكلة التي يواجهها إنسان هذا العصر تتجاوز قدرته على الوصول إلى الخبر، لتصل إلى قدرته على الاحتفاظ بإحساسه تجاهه. كم مرة نشاهد بيتًا مهدومًا ثم ننتقل إلى صورة أخرى؟ وكم مرة يغادر الضحايا نشرات الأخبار، بينما تبقى حياتهم معلقة تحت الركام؟ هنا تتقدم الكلمة الملكية لتقاوم اعتياد الألم، وتعيد إلى الاهتمام معناه الأخلاقي: أن نتابع حتى تُحمى الحياة، وأن نتذكر حتى تتحقق العدالة.
وفي القضية الفلسطينية، انتقد جلالته اكتفاء المجتمع الدولي باحتواء الصراع طوال عقود، فيما تتراكم الانتهاكات وتتغير الوقائع. وهذه إحدى أهم نقاط الخطاب؛ لأنها تضع السياسة أمام نتائجها. فنجاح الدبلوماسية ينبغي أن يُقاس بما تمنعه من ظلم، وبما تتيحه للناس من مستقبل، وأن يُختبر في قدرة الأسرة على البقاء في بيتها، والطفل على الذهاب إلى مدرسته، والشعب على تقرير مصيره. إن تأجيل الحل العادل يستهلك أعمارًا كاملة، ويورث الأجيال التالية مشكلات أشد تعقيدًا.
وكان حضور الأطفال موجعًا حين ذكر جلالته استشهاد ما لا يقل عن ثلاثمئة طفل فلسطيني خلال أول ثلاثمئة يوم مما سُمّي وقفًا لإطلاق النار. وبوصفي كاتبة تهتم بالطفولة، أقرأ وراء هذا الرقم أحلامًا لم تُتح لها فرصة النمو، وكتبًا مدرسية بقيت بلا أصحاب، وأمهات يحملن من الفقد ما تعجز اللغة عن وصفه. استحضار الطفل في أعلى منبر دولي يمنح النقاش السياسي امتحانه الأصدق: ماذا أنجزت الاتفاقات إذا ظل الصغار يدفعون الثمن؟
ومن أبرز رسائل الخطاب ربط ما يجري في غزة بما يحدث في الضفة الغربية، والتحذير من تقويض إمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وتكمن أهمية هذا الربط في مقاومة تجزئة القضية إلى أخبار متناثرة؛ إذ يحتاج فهم المستقبل إلى النظر في مجموع ما يحدث للأرض والسكان والحقوق. كما أن تسمية التهجير القسري وإدانته تضعان كرامة الإنسان في صلب الموقف، وتؤكدان أن اقتلاع العائلة من موطنها لا يجوز أن يختفي وراء لغة إدارية باردة.
وانتقل جلالته إلى مسؤولية المجتمع الدولي، مذكّرًا بأدوات ضغط تشمل العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي. وتحمل هذه النقطة قيمة سياسية واضحة؛ فهي تنقل النقاش إلى الإرادة اللازمة لاستخدام الأدوات المتاحة، وتجعل جدية المواقف قابلة للمساءلة. والموقف الذي يستحق الإشادة هو الذي يواجه المسافة بين إعلان المبادئ وتحمل كلفة الدفاع عنها.
وحين تناول التوغلات الإسرائيلية في سوريا، ربط جلالته أمن الحدود الشمالية والأمن المائي الأردني بالأمن القومي. وقد وجدت في هذا الوضوح طمأنينة المواطن إلى أن مصالح بلده حاضرة في صدارة المسؤولية. فالماء حياة الناس وزراعتهم وغذاؤهم، والحدود أمان البيوت واستقرار المجتمع. هنا تكتسب الحكمة السياسية معناها العملي: تقدير الخطر مبكرًا، وإبلاغ الموقف بوضوح، وحماية الوطن بعين مفتوحة على تحولات محيطه.
وفي حديثه عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وعن حماية الوجود المسيحي وإرثه في المنطقة، برز البعد الحضاري للموقف الأردني. فالوصاية الهاشمية أمانة تاريخية ودينية، يحملها جلالته بمسؤولية تتصل بحماية المقدسات وصون هويتها. ولهذا البعد أهمية خاصة؛ لأن الدفاع عن التعدد يحفظ للمدن ذاكرتها وللأوطان نسيجها الإنساني. فالقدس بما تحمله من قداسة وتاريخ مسؤولية تتصل بحق الناس في العبادة، وبحق المكان في الاحتفاظ بهويته، وبحق الأجيال في أن ترث التنوع الذي صنع حضارتها.
وجدد جلالته الالتزام بالسلام العادل، ودعم الصمود الفلسطيني والأونروا، مع التحذير من إساءة فهم التمسك بالدبلوماسية باعتباره ضعفًا. وفي هذا التوازن أجد ما يستحق التقدير في قيادة جلالته؛ إذ يجمع بين الحزم في الدفاع عن الحقوق والدبلوماسية الرصينة، ويخاطب العالم بلغة واضحة تحفظ للموقف قوته وللحوار فرصته. وهذه قدرة سياسية تستحق الإشادة: إبقاء أبواب الحل مفتوحة، مع التعبير الصريح عن حدود القبول. فالساعي إلى السلام يحتاج إلى الثبات بقدر حاجته إلى المرونة، وإلى وضوح الغاية بقدر حاجته إلى تعدد وسائل الوصول إليها.
ومن الناحية الخطابية،جاءت قوة الكلمة من تدرج حجتها؛ من سؤال الانتباه، إلى مصير الإنسان، ثم مسؤولية القرار. هذا البناء يمنح المستمع فرصة لفهم العلاقة بين سلوكه اليومي ومواقف دولته، ويجعل الشأن الدولي أقرب إلى ضميره. كما أن وضوح اللغة يتيح للناس أن يناقشوا مضمون الموقف وأن يحاسبوا العالم على استجابته.
ويحضر الأردن في هذه الكلمة بقوة موقفه ووضوح رؤيته. فمكانة الأوطان تتعزز بمصداقية قياداتها، وبقدرتها على كسب الثقة دون التفريط بما تؤمن به. ومن هنا أرى قيمة النهج الذي عبّر عنه جلالة الملك؛ نهج يربط حماية المصالح الوطنية بالالتزام الأخلاقي، ويمنح صوت الأردن وزنًا بما يحمله من حجة ومسؤولية. وهذا ما يدعونا إلى الاعتزاز بقيادة تدرك أن الدفاع عن الوطن يقتضي الحكمة والشجاعة معًا.
إن اعتزازنا بهذا الخطاب ينبع من ثقتنا بقيادة تجعل الدفاع عن الأردن متصلًا بالدفاع عن الحق، وتمنح السلام مضمونًا يستحقه الناس. لقد قدّم جلالة الملك عبدالله الثاني موقفًا شجاعًا في وضوحه، مسؤولًا في غاياته، وإنسانيًا في ميزانه. ويبقى على العالم أن يجيب بالفعل؛ فالطفل ينتظر الأمان، والعائلة تنتظر بيتها، والشعوب تنتظر سلامًا تستطيع أن تعيشه.