وقد حمل الربط الملكي المباشر بين هيبة الدولة وسيادة القانون دلالات دستورية عميقة؛ فمكانة الدولة لا تتحقق بمجرد امتلاك مؤسساتها الحاكمة سلطة إصدار القرارات وتنفيذها جبرا على الأفراد، بل تستمد قوتها من مشروعية هذه القرارات وخدمتها للصالح العام وعدالة تطبيقها على الجميع دون استثناء. فالسلطات العامة التي تلتزم أحكام القانون عند ممارسة الاختصاصات المناطة بها تكون أكثر قوة وثباتا، وتكتسب احترام المواطنين وثقتهم بأن إدارة شؤونهم تستند إلى قواعد واضحة ومستقرة لا تتغير بتغير الأشخاص أو تبدل مواقعهم.
ومن هنا، فإن الربط الملكي بين المفهومين يبرز بُعدا دستوريا آخر لمبدأ سيادة القانون، يتمثل في أنه لا يحمي المواطن من تعسف السلطة فحسب، بل يصون الدولة من فقدان هيبتها عندما تتجاوز إحدى مؤسساتها أو القائمون عليها أحكام القانون. فكل استثناء غير مشروع في تطبيق القواعد القانونية، وكل تجاوز يجري التغاضي عنه، لا يمثل اعتداء على حقوق الأفراد فحسب، بل ينال من احترام الدولة ويضعف ثقة المواطنين بعدالة مؤسساتها. فهيبة الدولة لا تقوم على الخوف من سلطاتها وتجنب التعامل مع أجهزتها وأصحاب القرار، وإنما على الاطمئنان إلى مشروعية أعمالها والثقة بحرصها على تحقيق الصالح العام.
وهذه العلاقة بين قوة الدولة وخضوعها للقانون ليست جديدة في الفكر الملكي؛ فقد سبق أن تناولها جلالة الملك في ورقته النقاشية السادسة عام 2016 بعنوان "سيادة القانون أساس الدولة المدنية"، التي ربط فيها بين احترام القانون والإدارة الحصيفة والعدالة وتكافؤ الفرص، وحذر من الواسطة والمحسوبية والتساهل مع تطبيق القانون. فالغاية من هذا المبدأ، وفق الرؤية الملكية، لا تقتصر على محاسبة المخالفين بعد وقوع التجاوزات، بل تمتد إلى بناء مؤسسات وطنية قوية تمنع التعسف والفساد قبل حدوثهما، وهو ما يستدعي تعزيز الدور الوقائي للجهات الرقابية ذات الصلة، وفي مقدمتها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد وديوان المحاسبة.
وقد انتقلت هذه الرؤية الملكية من إطار التوجيه والإرشاد إلى مرتبة الالتزام الدستوري الصريح، إذ جرى تعديل المادة (6) من الدستور عام 2022 لدسترة مبدأ سيادة القانون، بما يوجب على الدولة كفالته وحسن تطبيقه. فبعد أن كان هذا المبدأ يُستنبط من مجموع الأحكام والقواعد الدستورية، أصبح اليوم حكما مكتوبا يتعين على السلطات العامة احترامه وترجمته إلى تشريعات وقرارات تضمن المساواة بين الأفراد وتحول دون إساءة استخدام السلطة.
ولم يقتصر الاهتمام الملكي بترسيخ سيادة القانون على التوجيه والتأكيد، بل اقترن بخطوات عملية لتطوير منظومة العدالة؛ فقد بدأت مخرجات اللجنة الملكية لتحديث الجهاز القضائي تجد طريقها إلى التنفيذ بإقرار الحكومة جملة من مشاريع التشريعات المتعلقة بأصول التقاضي والتفتيش القضائي. وتهدف هذه الإصلاحات إلى رفع كفاءة المحاكم وتسريع الفصل في المنازعات وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، مع توظيف التطورات التكنولوجية الحديثة لخدمة المتقاضين وتيسير وصولهم إلى العدالة.
إن التأكيد الملكي المتجدد على مبدأ سيادة القانون يعكس حرصا دائما على ترسيخه أساسا لإدارة الدولة الأردنية، ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهونا بقدرة المؤسسات العامة على تطبيق أحكامه بعدالة، ومنع التجاوزات ومحاسبة مرتكبيها. فالدولة لا تفقد هيبتها عندما تخضع سلطاتها للقانون، وإنما تتعزز مكانتها كلما أثبتت أن ممارسة السلطة لا تعفي من المسؤولية، وأن أجهزتها وكبار موظفيها ملتزمون بصون الحقوق وحماية الصالح العام.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية