هو ذاته الجنوب السوري الذي شكل منذ قرابة العقدين تهديدا متزايدا للأمن الوطني الأردني عبر مسارات متعددة، ففي مرحلة ما وصلت التنظيمات المتطرفة قريبا من تخوم الحدود الأردنية، مشكلة خطرا كبيرا على حدود الأردن وسلامة أراضيه وأمنه، وقد واجه الأردن ذلك بيقظة وصلابة، وتأمين الحدود من خارجها، ثم ظهرت حرب المخدرات وتهريب الأسلحة، ومحاولة بناء خلايا إرهابية ترتهن لقوى إقليمية، تسعى إلى اختراق الساحة الأردنية الصلبة، وهو ما فرض على الأردن مواجهات يومية، قدم خلالها عددا من الشهداء الأبرار، وما زال الخطر متربصا ويتحين الفرصة التي تحرمه منها العين الأردنية الساهرة.
خطاب هناك في الأمم المتحدة وخطاب هنا من منبر مجلس الأمة في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، والجنوب السوري يبرز كثغرة في خاصرة نازفة، هذا الجنوب السوري الذي تتسرب إليه خلايا وتنظيمات دخيلة ذات طبيعة تكفيرية وإرهابية لا تتفق مع طبيعة هذا الجنوب التاريخية ولا تتسق مع طبيعة أهله الأصلاء، هذا الجنوب إن تحول إلى ميدان لهؤلاء الدخلاء سيهدد سلامة الدولة السورية الجديدة، ويخدم خطط إسرائيل في تعميق الانقسامات بغية عزل الجنوب عن الدولة الأم، ناهيك عن التمدد العسكري الإسرائيلي، لذا وجدت إسرائيل البيئة الرخوة المناسبة لتحقيق مآربها في السيطرة على موارد المياه، وتشكيل أدوات ضغط جديدة على البلدين الشقيقين سوريا والأردن.
كما أن جريمة كنيسة حمود وارتباطها التنظيمي والفكري بخلايا خارجة عن القانون والدين في الجنوب السوري، يؤكدان أن ما نبه إليه الخطاب الملكي في الأمم المتحدة يتحول للأسف إلى تهديد واضح الأنياب، وأن ذلك ما كان له أن يحدث لولا الوجود الإسرائيلي العسكري، الذي حرم الدولة السورية الجديدة من فرض سيادتها الفاعلة على كامل الأرض السورية في الجنوب والجنوب الغربي، مما أوجد بيئة مناسبة لمثل هذه الجماعات في تجميع شتاتها، والمساهمة مع إسرائيل في إضعاف المنطقة وتهديد أمنها.
لذا علينا أن نقرأ هذين الخطابين الملكيين برؤى متقدمة، ففيهما خارطة طريق مشتركة ذات أفق إقليمي وعالمي، لوقف هذه الخطط والممارسات التي باتت تشكل خطرا حقيقيا سيتعاظم أثره إذا لم يتحول هذا الفهم العميق وهذه الرؤى المتقدمة إلى خطط عمل مضادة على الأرض، ولعل أهمها انسحاب إسرائيل من الجنوب السوري، ودعم دولي وإقليمي للدولة السورية لبسط كامل سيطرتها على الأرض والحدود السورية، وبناء تعاون وشراكة حقيقية بين الجانبين السوري والأردني لإعادة بناء ما خربته سنين الحرب، وتنقية المنطقة من تنظيمات خارجة عن السياق الديني والاجتماعي والعروبي، لعودة التنمية وتحقيق الازدهار المستقبلي المأمول.