حين يوجّه سمو ولي العهد إلى تحسين "تجربة" الحجاج المسيحيين والزوار، ويؤكد الاستعداد المبكر لإحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، فإن الرسالة واضحة: المطلوب ليس ترميم المكان فحسب، بل بناء تجربة إنسانية وروحية متكاملة تليق بمكانته العالمية.
يمتلك الأردن في المغطس أكثر من موقع أثري. إنه يحتضن مكاناً ارتبط بمحطة مفصلية في التاريخ المسيحي، ويمنح الزائر فرصة لأن يعيش معنى الإيمان والتاريخ في فضائهما الطبيعي، لا أن يكتفي بمشاهدة مبنى أو حجر. لذلك، ينبغي أن ينتقل التعامل معه من مفهوم "الموقع السياحي" إلى مفهوم الوجهة العالمية للحج المسيحي.
وتترجم الدولة هذه الرؤية عبر مشاريع تطويرية في الأراضي المجاورة للمغطس، بكلفة تقارب 120 مليون دولار، تشمل متحف معمودية السيد المسيح، وقرية متكاملة للحجاج والزوار، وأعمال البنية التحتية والممر الأخضر. وهي مكونات تؤسس لمنظومة متكاملة تجمع العبادة والثقافة والضيافة، وتحوّل الزيارة إلى تجربة تمتد آثارها على المجتمع المحلي والاقتصاد الوطني.
لكن نجاح هذه الرؤية لا يقاس بالمشروعات وحدها. فالتجربة تبدأ من الطريق والاستقبال، وتمر بالنظافة والمرافق والإرشاد واللغة وسهولة الحركة والأمان، وتنتهي بقدرة الزائر على فهم قصة المكان والشعور بقيمته. ومن هنا، فإن التحضير المبكر لعام 2030 ليس ترفاً تنظيمياً، بل شرطاً لصناعة حدث يليق بالأردن.
يحتاج ذلك إلى شراكة وطنية تجمع المؤسسات الرسمية والكنائس والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص وقطاع النقل والفنادق والمؤسسات الثقافية والإعلامية. فالموقع لا تصنعه مؤسسة واحدة، بل تصنعه منظومة تعمل بروح واحدة، وتحوّل الاستثمار في المغطس إلى عوائد دينية وسياحية واقتصادية مستدامة.
وفي بلد يقف على حدود الصراعات، ويقدم نموذجاً للحوار والاعتدال والتعايش، يمكن للمغطس أن يكون عنواناً أردنياً يصل إلى العالم. وعام 2030 ليس موعداً للاحتفال فقط، بل موعد لاختبار قدرتنا على تحويل الرؤية إلى إنجاز، والقداسة إلى رسالة وطنية وإنسانية.