وشارك في الدراسة نحو 8300 طالب وطالبة من 276 مدرسة، شملت مدارس وزارة التربية والتعليم والتعليم الخاص ووكالة الغوث والثقافة العسكرية، وهو نطاق واسع يمنح النتائج دلالة مهمة على مستوى النظام التعليمي بمختلف مكوناته، وقد ارتفع متوسط الأردن في القراءة من 342 نقطة عام 2022 إلى 363 نقطة في 2025، وفي الرياضيات من 361 إلى 388 نقطة، وفي العلوم من 375 إلى 407 نقاط، وهذا يعني تحسنا بمقدار 21 نقطة في القراءة، و27 نقطة في الرياضيات، و32 نقطة في العلوم، وهي زيادات تعكس تقدما ملموسا خلال فترة زمنية محدودة.
والأكثر أهمية أن الأردن حقق أكبر تحسن في المجالات الثلاثة مقارنة بالدول العربية التي توفرت لها بيانات قابلة للمقارنة، وهو مؤشر يحمل دلالة مهمة لأنه يعكس قدرة النظام التعليمي على تحسين أدائه في بيئة إقليمية تواجه فيها منظومات التعليم تحديات متشابهة تتعلق بجودة التعلم والفجوات الاجتماعية والاقتصادية وتفاوت الموارد والفرص.
وتزداد قيمة هذه النتائج عند النظر إلى موقع الأردن مقارنة بالمتوسط العربي، حيث سجل الطلبة الأردنيون 407 نقاط في العلوم مقابل 395 نقطة للمتوسط العربي، و388 نقطة في الرياضيات مقابل 385 نقطة، فيما بلغ متوسط القراءة 363 نقطة مقابل 365 نقطة عربيا. وهذا يعني أن الأردن أصبح متقدما على المتوسط العربي في العلوم والرياضيات، وقريبا جدا منه في القراءة، الأمر الذي يؤكد أن التحسن لم يكن محصورا في مؤشر واحد، وإنما شمل المجالات الأساسية التي تشكل قاعدة للتعلم المستقبلي والقدرة على التعامل مع المعرفة والتكنولوجيا.
وتبرز النتائج بصورة أكثر وضوحا عند تحليل أداء المدارس الحكومية، التي سجلت بدورها تحسنا ملحوظا، إذ ارتفع متوسط القراءة من 332 إلى 358 نقطة، والرياضيات من 353 إلى 382 نقطة، والعلوم من 364 إلى 400 نقطة، وتحمل هذه الأرقام أهمية خاصة، لأن المدرسة الحكومية تمثل العمود الفقري للنظام التعليمي، وتحسن نتائجها يعني أن الإصلاح بدأ ينعكس على شريحة واسعة من الطلبة، وأن الاستثمار في تطوير العملية التعليمية داخل المدارس يمكن أن ينتج تحسنا قابلا للقياس.
لكن قراءة النتائج بموضوعية تقتضي التعامل معها باعتبارها محطة مهمة في مسار مستمر، وليست نهاية الطريق، خاصة وأن المؤشرات نفسها تكشف عن فجوات ما تزال قائمة بين طلبة الريف والمدينة في المجالات الثلاثة، كما تظهر استمرار تفوق الإناث على الذكور، إلى جانب الفجوة المرتبطة بالمستويات الاقتصادية والاجتماعية، وهذه الفجوات تقدم للسياسات التعليمية خريطة واضحة للمجالات التي تحتاج إلى تدخل أكثر تركيزا، بحيث يتحول التحسن العام إلى تحسن أكثر عدالة واتساعا بين مختلف المناطق والفئات.
من هنا تبرز القيمة الحقيقية لنتائج PISA 2025، لا سيما وأنها توفر أداة لقياس أثر السياسات والبرامج التعليمية، وتساعد في تحديد مواطن القوة ومجالات التحسين، فالارتفاع في النتائج، خصوصا في العلوم والرياضيات، يمكن البناء عليه من خلال تعزيز أساليب التعليم القائمة على التفكير والتحليل وحل المشكلات، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق، وتطوير قدرات المعلمين، وتحسين البيئة التعليمية، وتوجيه الموارد نحو المدارس والفئات التي ما تزال نتائجها أقل من المتوسط.
كما أن استمرار هذا التحسن في الدورات المقبلة سيكون أكثر أهمية من حجم الزيادة المسجل في دورة واحدة، لأن الهدف الحقيقي هو تحويل التحسن إلى مسار مستدام في جودة التعلم، وهو ما يتطلب الاستفادة من البيانات في اتخاذ القرار، ومتابعة الفروقات بين المدارس والمناطق والفئات الاجتماعية، وربط التطوير التعليمي بنتائج قابلة للقياس، بحيث يصبح تقييم الأداء جزءا من عملية إصلاح مستمرة.
في المحصلة، تؤكد النتائج أن الاستثمار في التعليم بدأ ينتج مؤشرات إيجابية قابلة للقياس، وأن المسار الإصلاحي في قطاع التعليم يمتلك قاعدة يمكن البناء عليها، فالارتفاع الكبير في نتائج العلوم والرياضيات، والتحسن اللافت في أداء المدارس الحكومية، وتقدم الأردن على المتوسط العربي في مجالين أساسيين، كلها مؤشرات تمنح النظام التعليمي قوة دفع جديدة، في حين تتطلب المرحلة المقبلة حماية هذا التقدم، ومعالجة الفجوات التي كشفتها النتائج، وتحويل التحسن الكمي في الدرجات إلى تحول نوعي مستدام في مهارات الطلبة وقدرتهم على التعلم والابتكار والمنافسة في اقتصاد يقوم بصورة متزايدة على المعرفة.