وَسَمِعتُ بَطليموسَ دارِسَ كُتبِهِ مُتَمَلِّكاً مُتَبَدِّياً مُتَحَضِّراً
ولقيت كل الفاضلين كأنما رد الإله نفوسهم والأعصرا
هذه الأبيات من قصيدة في مدح أبي الفضل بن العميد، ونحن هنا ننظر في الأبيات بوصفها نصا يجاوز موضوعة المدح، ليعبر عن بعد ثقافي فلسفي في عصر المتنبي. ولذا فإننا نضرب صفحا عن كونها في مدح الآخر، ونذهب إلى معاينة بنيتها الفلسفية التي تبدي معرفة المتنبي بالإرث الفلسفي اليوناني.
لقد كانت معرفة المتنبي بالفلسفة اليونانية موضوع خلاف بين النقاد العرب القدامى. فقد ذهب أبو علي الحاتمي، معاصر المتنبي، في رسالته المعنونة "الرسالة الحاتمية فيما وافق المتنبي في شعره كلام أرسطو في الحكمة"إلى اتهامه بالأخذ عن أرسطو. وهو عمل يشير إلى تأثير الفلسفة في الشعر العربي. ونحن هنا ننظر في هذا النص، لبيان حضور الفكر الفلسفي اليوناني في النص الشعري، وتوظيفه في سياق جديد، للتعبير ليس عن حال الممدوح، ولكن للإبانة عن ثقافة المتنبي ومعرفته الفلسفية.
لغة المتنبي، في هذه الأبيات، تكسر خطية الزمن، وتعيد تشكيله خياليا. إنها لغة تجاوز البعد التاريخي بما هو مجرد ماض، وتضعنا أمام مشهد مدهش: المتنبي يعاين أرسطو العقل، وإسكندر القوة. أما بطليموس الذي تفصله عن أرسطو ستمئة سنة فيمثل الحضور الأرسطي عبر الزمن. ولكن المتنبي بعد ستة قرون أخرى يسمع الاثنين معا، ويصغي إلى حكمتهما. هنا تتداخل الأزمنة واللغات، وتصغي الأمم لنور الحكمة، وجبروت القوة الآتي من بعيد.
هذا مشهد خيالي يدخل فيه المتنبي بعد استفهامه: من سيبلغ الأعراب أنني هنا أشاهد أرسطو وتلميذه الإسكندر وأسمع بطليموس، وأنني معهم؟ إن المتنبي يعبر عن حالة ثقافية يستحضرها من الماضي اليوناني المزدهر، وينضو عنه ثوب الأعراب، الذي يحمل تعبيرا عن حالهم المفتقد للعقل والقوة.
في هذا المشهد لا يعود الزمان مجردا، بل يعود معه الأشخاص الذين تركوا بصماتهم فيه، وفيما يليه. هنا يكبر الحاضر بالماضي. فحين يرى الخليفة المأمون في المنام أرسطو، فإن التأويل المنطقي يذهب إلى تقرير أننا لم نعد قادرين على تكرار عقله وحضوره، وأننا بحاجة لحضوره.
في هذا السياق لم يعد أرسطو مجرد شخص يقبع في الماضي، بل هو رمز لحضور العقل، وفعله المتجاوز للزمن. وحضوره مقترنا بالإسكندر فعل عقلي حكمي يمثل وجوب اقتران القوة بالعقل لأن القوة غير العاقلة قوة عمياء غاشمة. فحكم العقل يمثل دوما لجما للقوة وتوجيها لها، مما يعني أنهما يشكلان الصورة الحضارية للبشر.
تتشكل المأساة حين تستبد قوة بلا عقل، أو يعرى العقل من القوة. حينها يظهر "رأس أحمق" يمتلك قوة غاشمة يوظفها في التدمير، ويغيب الناصح، أو العقل، فتفلت القوة من عقالها، وتغدو أداة خراب. هنا تعمل القوة بلا عقل يرشدها.