وتتميز الاستثمارات الموجّهة للتصدير بأنها تستهدف إنشاء أو توسيع مشروعات إنتاجية وخدمية قادرة على الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية والمنافسة فيها من حيث الجودة والسعر والابتكار. وهنا تتحول قيمة الاستثمار من مجرد تدفق مالي إلى طاقة إنتاجية جديدة، وفرص عمل، ونقل للتكنولوجيا والمعرفة، وزيادة في الصادرات وتدفقات العملات الأجنبية.
ويكتسب هذا النوع من الاستثمار أهمية خاصة للأردن في ظل محدودية حجم السوق المحلي، ما يجعل التوسع في الأسواق الخارجية ضرورة لتحقيق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة. لذلك، فإن المطلوب هو الانتقال من سياسة جذب الاستثمار بصورة عامة إلى استقطاب الاستثمار النوعي الموجّه للتصدير، وخاصة الاستثمار الذي يرفع القيمة المضافة المحلية، ويخلق وظائف نوعية، ويرتبط بالشركات الوطنية، ويفتح أسواقاً جديدة أمام السلع والخدمات الأردنية.
ويمكن للأردن التركيز على القطاعات التي يمتلك فيها مزايا تنافسية، مثل الصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الرقمية، والصناعات الغذائية المتخصصة والهندسية، والخدمات الصحية والتعليمية، والطاقة المتجددة، والقطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما تبرز أهمية المنتجات ذات القيمة المضافة والتصديرية المرتفعة مقابل استخدام أكثر كفاءة للموارد الطبيعية، ولا سيما المياه والطاقة، ما يجعل التوجه نحو الاقتصاد المعرفي والصناعات المتقدمة خياراً استراتيجياً للأردن.
ولا تقتصر فوائد الاستثمار الموجّه للتصدير على زيادة التجارة الخارجية، بل تمتد إلى تطوير بنية الاقتصاد الوطني، لأن المشروعات التصديرية تتطلب مستويات أعلى من الجودة والكفاءة والتكنولوجيا والالتزام بالمعايير الدولية. كما تسهم في دمج الشركات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل التوريد والقيمة من خلال الطلب على خدمات النقل والتكنولوجيا والصيانة والتسويق وغيرها.
وفي الاقتصاد الحديث، لا تقتصر الصادرات على السلع، بل تشمل البرمجيات وتحليل البيانات والاستشارات والخدمات الصحية والتعليمية والتكنولوجية، وهي مجالات يمتلك الأردن فيها فرصاً مهمة بفضل رأس المال البشري المتعلم. ومن هنا يرتبط الاستثمار الموجّه للتصدير بتمكين الشباب، لأن القطاعات الجديدة تعتمد على المهارات والمعرفة أكثر من اعتمادها على الموارد الطبيعية.
لكن النجاح يتطلب بيئة أعمال تنافسية، من حيث كلفة الإنتاج والطاقة والنقل، وسرعة الإجراءات، واستقرار التشريعات، وكفاءة الجمارك والخدمات اللوجستية، وتوفر العمالة الماهرة والنفاذ إلى الأسواق. كما ينبغي الانتقال من انتظار المستثمر إلى استهدافه، عبر تحديد القطاعات والشركات والأسواق ذات الأولوية وتصميم حزم استثمارية متكاملة، مع دعم المستثمر المحلي والشركات الأردنية القادرة على التوسع والتصدير.
والنجاح الحقيقي سيكون عندما يصبح الأردن وجهة للمستثمر الذي يقول: أريد أن أُنتج في الأردن لأبيع للعالم، عندها فقط يتحول الموقع الجغرافي، ورأس المال البشري، والاتفاقيات التجارية، والاستقرار، والتكنولوجيا إلى مزايا اقتصادية قابلة للقياس، وتتحول رؤية التحديث الاقتصادي من مشاريع وبرامج إلى نمو يشعر المواطن بأثره في فرص العمل والدخل وجودة الحياة.