تجمع هذه الوقائع القدس والضفة في صورة واحدة من حيث استهداف الوجود الفلسطيني ومؤسساته ورموزه، وفرض وقائع جديدة بالقوة. ففي القدس يجري الضغط على مؤسسة أممية تقدم خدمات للاجئين الفلسطينيين، وفي مادما تم ارتكاب جريمة بحق رمز فلسطيني بحضور سياسي إسرائيلي وتحت حماية عسكرية، ولهذا فإن قراءة هذه الاحداث تظهر بوضوح الرابط الأساسي بينها، وهو توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية وتقليص المساحة المتاحة للوجود الفلسطيني على الأرض.
فمنذ عام 1967، تخضع الضفة الغربية -بما فيها القدس الشرقية- للاحتلال، وفي ظل هذا الواقع الذي يشهد توسع المشروع الاستيطاني بصورة ممنهجة وبشكل ملحوظ، أصبح المستوطنون قوة سكانية وعسكرية وسياسية مؤثرة في رسم واقع الضفة، ومع مرور السنوات، ارتبط التوسع الاستيطاني بإنشاء البؤر الاستيطانية وشق الطرق وتوسيع مناطق السيطرة وإقامة الحواجز، بالتوازي مع تصاعد جرائم وإرهاب المستوطنين في القرى والأراضي الزراعية والممتلكات الفلسطينية.
وتظهر أحدث البيانات حجم هذا التصعيد بوضوح، حيث سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 4113 جريمة وعملا إرهابيا نفذه المستوطنون خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، مقارنة بـ 2524 جريمة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 63 بالمئة، كما أشارت الهيئة إلى مقتل 25 فلسطينيا في جرائم وهجمات مرتبطة بالمستوطنين حتى 21 آب الجاري، في أعلى حصيلة منذ بدء توثيق هذه الجرائم بصورة منتظمة عام 2019.
ولا تقتصر خطورة هذه الأرقام على ارتفاع عدد الجرائم، وإنما تظهر في التحول الذي طرأ على طبيعتها ومناطق انتشارها، خاصة وأن جرائم المستوطنين الإرهابية أصبحت أكثر ارتباطا بالسيطرة على الأرض وإجبار الفلسطينيين على الابتعاد عنها، من خلال مهاجمة المزارعين، وحرق الممتلكات، والاعتداء على المنازل والمواشي، وإغلاق الطرق، وإقامة البؤر الرعوية في محيط التجمعات الفلسطينية، وبذلك يتحول الإرهاب إلى وسيلة ضغط يومية تجعل البقاء في المناطق المستهدفة أكثر صعوبة.
ويكتسب هذا المسار أهمية أكبر في ظل ارتفاع أعداد الفلسطينيين الذين اضطروا إلى ترك تجمعاتهم بسبب جرائم وإرهاب المستوطنين. وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن أكثر من 830 فلسطينيا أصيبوا جراء جرائم المستوطنين خلال عام 2025، بمعدل يقارب إصابتين يوميا، فيما سجلت الأمم المتحدة منذ بداية عام 2026 حالات نزوح واسعة من تجمعات فلسطينية نتيجة هذه الجرائم الإرهابية.
والأخطر أن إرهاب المستوطنين يتحرك ضمن بيئة تجمع بين المستوطنين وقوات الاحتلال، فعندما يجري ارتكاب جريمة بحق قرية أو أرض زراعية، يكون وجود جيش الاحتلال في كثير من الحالات جزءا من المشهد، سواء من خلال حماية المستوطنين أو إغلاق المنطقة أو فرض قيود على حركة الفلسطينيين، وما جرى أمس في مادما يقدم صورة واضحة عن هذا التداخل؛ حيث ظهر عضو الكنيست المتطرف تسفي سوكوت وهو يحطم النصب الفلسطيني خلال جولة رافقته فيها قوات جيش الاحتلال، قبل أن يعلن جيش الاحتلال لاحقا أن ما فعله "كان تصرفا غير مقبول".
وتكمن دلالة حادثة مادما في الحضور السياسي المباشر داخل مشهد الإرهاب الاستيطاني، فعندما يشارك عضو في الكنيست في جريمة بحق رمز فلسطيني، يصبح السؤال مرتبطا بالبيئة السياسية التي تسمح بهذا السلوك وتمنح الاستيطان وزنا متزايدا داخل القرار الإسرائيلي، وتكشف الواقعة أيضا اتساع مساحة الخطاب والممارسة التي تستهدف الرموز الفلسطينية وحق الفلسطينيين في التعبير عن تاريخهم ووجودهم في قراهم وبلداتهم.
وفي القدس، اتخذ التصعيد مسارا موازيا ضد المؤسسات الفلسطينية والدولية، حيث اقتحمت قوات الاحتلال مركز قلنديا للتدريب التابع لـ "الأونروا" في كفر عقب، شمال القدس الشرقية، وبدأت إجراءات إخلائه والسيطرة عليه، وكانت "الأونروا" قد أعلنت في وقت سابق أن قوات الاحتلال اقتحمت مركز التدريب خمس مرات منذ بداية عام 2026، وأنه آخر منشآتها العاملة في القدس الشرقية.
وتحمل هذه الخطوة أبعادا سياسية وقانونية وإنسانية، فاستهداف منشأة تابعة للأمم المتحدة في القدس يضغط على حضور المؤسسات الدولية في المدينة، ويؤثر في الخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين، فيما تأتي الخطوة ضمن سلسلة إجراءات إسرائيلية تستهدف الأونروا وتدفع باتجاه إنهاء حضورها في القدس الشرقية، وقد أدان الأردن اقتحام مركز قلنديا وإخلاءه، في تأكيد على خطورة الإجراءات الإسرائيلية بحق المؤسسات الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
من هنا ترتبط القدس بالضفة في مسار واحد، ففي الوقت الذي يتم فيه الضغط على المؤسسات التي ترعى شؤون اللاجئين وتقديم الخدمات للفلسطينيين في القدس، تشهد الضفة أيضا توسعا في المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتزداد جرائم المستوطنين ويتصاعد إرهابهم، بينما تعمل قوات الاحتلال على فرض قيود الحركة والسيطرة الأمنية، والنتيجة هي تضييق المجال المتاح للوجود الفلسطيني على المستويين السكاني والجغرافي.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن هدف السيطرة على الأرض، حيث تبدأ البؤرة الاستيطانية بعدد محدود من المستوطنين ومساكن متنقلة، ثم تتحول مع الوقت إلى مركز ضغط على الأراضي المحيطة بها، ومع حماية جيش الاحتلال وشق الطرق وفرض القيود على حركة الفلسطينيين، تصبح المساحات الزراعية والرعوية المحيطة بها أكثر صعوبة أمام أصحابها، وهو ما يفتح الطريق أمام توسع نطاق السيطرة الاستيطانية.
ويظهر ذلك بصورة خاصة في المناطق الريفية والرعوية، فالمزارع الذي يتعرض للإرهاب أثناء توجهه إلى أرضه، أو يفقد أشجاره ومواشيه، أو يجد طريق الوصول إلى أرضه مغلقا، يواجه ضغطا متراكما يدفعه إلى تقليص نشاطه الزراعي أو ترك الأرض، ومع تكرار هذه الوقائع تتحول الجريمة الفردية إلى عامل مهم في تغيير الخريطة السكانية والاقتصادية.
وتزداد خطورة هذا المسار مع استمرار الإفلات من العقاب، حيث يمنح غياب المحاسبة الفاعلة المعتدين شعورا بالحماية ويجعل تكرار الجرائم أكثر سهولة، كما أن وجود المستوطنين المسلحين ضمن أطر أمنية يزيد قدرتهم على الحركة ويضعف الفارق بين النشاط الاستيطاني والإرهاب المنظم، خصوصا عندما تتقاطع أفعالهم مع إجراءات جيش الاحتلال والحكومة.
أما على المستوى الدولي، فقد جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في تموز 2024 ليؤكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعا إلى إنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني ووقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة وإجلاء المستوطنين، كما فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عقوبات على مستوطنين وبؤر استيطانية مرتبطة بجرائم وإرهاب ضد الفلسطينيين، لكن الفارق بين الموقف القانوني الدولي والواقع الميداني ما زال كبيرا، إذ تستمر عمليات التوسع الاستيطاني والجرائم بحق الفلسطينيين في ظل صمت المجتمع الدولي الذي يعد أحد أشكال المشاركة في الجريمة وتحمل وصمتها تاريخيا.
وتؤكد أحداث القدس والضفة أن المشكلة لم تعد مرتبطة بزيادة عدد الجرائم فقط، وإنما بطبيعة الدور الذي يؤديه الإرهاب في المشروع الاستيطاني، فحين تُحرق الأشجار وتُهاجم المنازل والمزارع، وحين تقام البؤر في مناطق جديدة، وحين يضطر السكان إلى ترك تجمعاتهم، تصبح الجرائم وسيلة لإعادة توزيع السيطرة على الأرض، وهنا تظهر الصورة الأوسع، حيث يوسع الاستيطان ويرسخ حضوره، ويفرض المستوطنون ضغطاً ميدانياً، في حين يوفر جيش الاحتلال الغطاء الأمني، وتمنح الحكومة المتطرفة المشروع الاستيطاني دعماً سياسياً، بينما يدفع الفلسطينيون ثمن هذه المعادلة من أرضهم وأمنهم ومصادر رزقهم.
إن ما يجري في الضفة الغربية والقدس هو صراع على الجغرافيا والوجود في آن واحد، فاستهداف مركز "الأونروا" في قلنديا، وتحطيم نصب الشهداء في مادما، وتصاعد جرائم وإرهاب المستوطنين، وتوسع البؤر الاستيطانية، والنزوح من التجمعات الفلسطينية، كلها وقائع ترتبط بمسار واحد يقوم على فرض واقع جديد بالقوة، عبر منظومة مترابطة من الاستيطان والعنف والحماية العسكرية والسياسات الحكومية، تعمل على تضييق الحيز الفلسطيني وإعادة رسم خريطة الضفة الغربية.
في المحصلة، وفي إطار هذه الحقائق، يكمن الخطر الأكبر في تحول هذا المسار إلى واقع يومي دائم عبر محاصرة القرى، ومنع أصحاب الأرض من الوصول إليها، والتوسيع المستمر للبؤر الاستيطانية، واقتلاع أشجار المزارع، واجبار العائلات الفلسطينية على مغادرة تجمعاتها، وإغلاق أبواب المؤسسات الفلسطينية والدولية، ومع تراكم هذه الوقائع، يجري تغيير الحقائق في الضفة الغربية تدريجياً على الأرض، بحيث يصبح إرهاب المستوطنين وجرائمهم أداة لفرض السيطرة وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، وفتح الطريق أمام مشروع الضم والتهجير.