واللافت في هذه الزيارة أن الأردن لم يحضر في المشهد الصيني بوصفه دولة ذات علاقات سياسية واقتصادية فحسب، وإنما ظهر أيضًا بما يمتلكه من إرث حضاري وتاريخي ومقومات سياحية قادرة على أن تكون جسرًا جديدًا للتواصل بين الشعبين.
فمن قصر الإمبراطور في الصين، بما يحمله من تاريخ عريق وحضارة امتدت آلاف السنين، إلى البتراء في جنوب الأردن، المدينة الوردية التي نحتها الأنباط في الصخر، يلتقي تاريخ حضارتين تركتا بصمتهما في ذاكرة الإنسانية. وبين الموقعين مسافة جغرافية شاسعة، لكنها تختصر في معناها رحلة بين حضارتين وثقافتين وشعبين.
وقد نجحت الزيارة الملكية في إيصال صورة الأردن إلى الجمهور الصيني عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث حضرت المعالم السياحية والأثرية الأردنية في المشهد الإعلامي المصاحب للزيارة، الأمر الذي يفتح فرصة مهمة لتعريف ملايين الصينيين بالأردن ومقوماته السياحية.
وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف؛ فالسياحة في عصر الإعلام الرقمي لم تعد تعتمد فقط على الحملات الإعلانية التقليدية، وإنما أصبحت الصورة والمحتوى الإعلامي والانتشار عبر المنصات الرقمية أدوات رئيسية في صناعة القرار السياحي. وما ظهر خلال الزيارة الملكية يؤكد أن الدبلوماسية يمكن أن تكون أيضًا بوابة للترويج السياحي والثقافي.
الأردن يمتلك ما يؤهله للمنافسة في هذا المجال؛ فالبتراء ليست مجرد موقع أثري، ووادي رم ليس مجرد صحراء جميلة، والبحر الميت ليس مجرد وجهة للاستجمام، بل هي مكونات لقصة أردنية متكاملة تجمع التاريخ والجغرافيا والثقافة والطبيعة. كما أن المواقع الدينية والتاريخية في الأردن تمنح المنتج السياحي بعدًا آخر، يجعل من زيارة المملكة تجربة تتجاوز السياحة التقليدية.
ومن هنا، فإن الحضور الأردني في الإعلام الصيني يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية إذا ما جرى البناء عليه من خلال استراتيجية سياحية وإعلامية تستهدف السوق الصينية بصورة أكثر تنظيمًا. فالسائح الصيني يحتاج إلى معرفة الوجهة، لكنه يحتاج أيضًا إلى محتوى بلغته، وبرامج سياحية تناسب اهتماماته، ومعلومات واضحة عن المواقع والخدمات وطرق الوصول والإقامة.
كما أن تعزيز السياحة الصينية إلى الأردن يمكن أن يفتح الباب أمام مزيد من التبادل الثقافي والشعبي، لأن السياحة ليست إنفاقًا اقتصاديًا فحسب، بل هي وسيلة للتعرف إلى الشعوب والحضارات وبناء صورة ذهنية أكثر قربًا وإيجابية.
ولعل أهمية الزيارة الملكية تكمن كذلك في أنها جمعت بين أكثر من مسار في وقت واحد؛ فهناك السياسة التي تؤسس للعلاقات، والاقتصاد الذي يبحث عن فرص الاستثمار والتبادل التجاري، والثقافة التي تقرب الشعوب، والسياحة التي تحول المعرفة إلى تجربة ولقاء مباشر.
إن الصين ليست سوقًا سياحية عادية، ولذلك فإن الوصول إلى الجمهور الصيني عبر زيارة ملكية بهذا المستوى يمثل فرصة ينبغي ألا تنتهي بانتهاء الزيارة. المطلوب أن تتحول اللحظة الإعلامية إلى عمل مؤسسي مستمر، وأن تستثمر وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة والمؤسسات الإعلامية والثقافية في هذا الزخم، من خلال إنتاج محتوى رقمي متخصص، والتعاون مع المنصات الصينية، وتنظيم حملات تعريفية مستدامة بالأردن.
كما أن القطاع الخاص الأردني يمكن أن يكون شريكًا أساسيًا في هذه العملية، من خلال تطوير برامج سياحية تستهدف الزائر الصيني، وتعزيز الخدمات التي يحتاجها، وتوسيع حضور الأردن في المعارض والفعاليات السياحية الصينية.
فالزيارة الملكية قدمت الأردن أمام الصينيين بصورة تتجاوز العناوين السياسية؛ قدمته بلدًا يمتلك تاريخًا وحضارة وطبيعة، ويمتلك في الوقت ذاته موقعًا استراتيجيًا وعلاقات دولية متوازنة.
ومن قصر الإمبراطور إلى البتراء، تبدو الحكاية أكبر من صورة سياحية عابرة؛ إنها قصة تواصل بين حضارتين، يمكن أن تتحول إلى مسار طويل من السياحة والثقافة والاستثمار والتبادل الإنساني.
وإذا كانت السياسة قد فتحت الباب، والاقتصاد قد وضع الأساس، فإن السياحة والثقافة والإعلام قادرة على جعل هذا الباب أكثر اتساعًا. وربما تكون الصورة التي شاهدها ملايين الصينيين عن البتراء والأردن هي الخطوة الأولى في رحلة سائح صيني يحمل حقيبته يومًا ما، وينطلق من بكين باتجاه عمّان، ثم إلى المدينة الوردية؛ ليكتشف بنفسه أن ما شاهده على الشاشة لا يشبه جماله عندما تراه العين.
وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول الزيارة الملكية من حدث سياسي واقتصادي مهم إلى فرصة مستدامة لتعزيز حضور الأردن في الوعي الشعبي الصيني، وجعل البتراء وغيرها من كنوز المملكة جزءًا من خريطة السياحة الصينية العالمية.