مشروع السكك الحديدية، أصبح للأسف، مادة للجدل أكثر من كونه مشروعا استراتيجيا يعيد رسم خريطة النقل والتنمية في الأردن، عبر نقاشات بيزنطية وهرطقات قانونية مخترعة، وبث مخاوف عبر منصات كل هدفها تأليف الحجج التي لا تستتند إلى قراءة قانونية متكاملة، بل إلى اجتزاء النصوص أو تفسيرها خارج سياقها.
الحقيقة أن أي تشريع يتعلق بالبنية التحتية الكبرى لا يُبنى على الانطباعات، وإنما على فلسفة قانونية توازن بين حق الفرد ومتطلبات المصلحة العامة، وهذا ما تقوم عليه التشريعات الحديثة في مختلف دول العالم، حيث تعد مشاريع النقل الكبرى جزءا من منظومة المنفعة العامة التي تستوجب توفير الحماية القانونية اللازمة لتنفيذها، مع بقاء الضمانات الدستورية المتعلقة بالتعويض العادل وحق التقاضي مصونة لا تمس.
السكك الحديدية ليست مجرد قضبان تمتد فوق الأرض، بل شرايين اقتصادية تربط المدن بالموانئ، والمناطق الصناعية بالأسواق، وتخفض كلف الإنتاج والنقل، وتجذب الاستثمار، وتفتح آفاقا جديدة للسياحة والتنمية، فجميع الدول التي سبقتنا بهذا المجال لم تنظر للسكك باعتبارها مشروعا هندسيا فقط، بل باعتبارها ركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي والتنافسية الوطنية.
المؤسف أن بعض الأصوات تتعامل مع كل مشروع وطني بعقلية الرفض المسبق، وهذا ليس أول مشروع، فقد رأينا ذلك مع مشاريع استراتيجية أخرى، من الناقل الوطني إلى مدينة عمرة الجديدة، حيث سبقت الأحكام التنفيذ، وكثرت الروايات قبل ظهور الحقائق، وبعد سنوات، يتبين أن كثيرا مما أثير لم يكن سوى ضجيج أعاق النقاش الحقيقي وأربك الرأي العام.
الواقع يقول ان الدول لا تبني مستقبلها بالشعارات، وإنما بالبنية التحتية، ولا تجذب الاستثمارات وهي مترددة في تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية، ولا تخفض كلف الإنتاج والنقل إذا بقيت رهينة ثقافة التعطيل والخوف من كل جديد.
خلاصة القول، لقد آن الأوان لأن نفرق بين النقد المسؤول، الذي يحسن التشريعات ويطورها، وبين التشويش الذي يحاول إيقاف عجلة التنمية تحت عناوين تبدو قانونية، لكنها في جوهرها تفتقر إلى السند الموضوعي، فالمصلحة الوطنية لا تتحقق بإغلاق الأبواب أمام المشاريع الكبرى، وإنما بضمان تنفيذها وفق القانون، مع حماية الحقوق وصون الملكية الخاصة وتحقيق العدالة للجميع.