وتتمثل تفاصيل القضية في أن الرئيس ترامب أصدر عام 2025 أمرا تنفيذيا يقضي بعدم منح الجنسية الأمريكية تلقائيا للأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة إذا كان والدا الطفل يقيمان فيها بصورة غير قانونية أو بصفة مؤقتة. وقد استند القرار إلى اعتبارات تتعلق بمراجعة سياسات الهجرة، إلا أنه أثار جدلا دستوريا واسعا انتهى بصدور قرار المحكمة العليا بإعلان عدم دستوريته لمخالفته التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، الذي ينص على أن جميع الأشخاص المولودين أو المتجنسين في الولايات المتحدة والخاضعين لولايتها القضائية هم مواطنون أمريكيون، ومواطنو الولاية التي يقيمون فيها.
وقد أُقر هذا التعديل الدستوري عام 1868 عقب الحرب الأهلية الأمريكية، بهدف ضمان حقوق المواطنة للمحررين من العبودية، وأرسى مبدأ اكتساب الجنسية لكل من يولد داخل الأراضي الأمريكية. وانطلاقا من ذلك، قضت المحكمة العليا بأن الجنسية حق دستوري لا تملك السلطة التنفيذية تعديله أو تعطيله بقرار يصدر عنها بإرادتها المنفردة.
وتكتسب هذه القضية أهمية استثنائية لأنها وقعت في ظل النظام الرئاسي الأمريكي، وهو النظام الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات تنفيذية واسعة تجعله في موقع مؤثر داخل بنية الدولة. ومع ذلك، فقد أثبتت المحكمة العليا أن قوة الرئيس المنتخب لا تقاس باتساع صلاحياته، وإنما بمدى التزامه بالحدود التي رسمها له الدستور.
ولعل من أبرز الدروس التي تقدمها هذه القضية أن استقلال القضاء لا يقاس بطريقة تعيين القضاة وحدها. فرغم أن قضاة المحكمة العليا الأمريكية يعينون بترشيح من رئيس الجمهورية وموافقة مجلس الشيوخ، وهي عملية لا تخلو من الاعتبارات السياسية، إلا أن ممارستهم لوظيفتهم القضائية تقوم على الاستقلال في تطبيق الدستور والقانون. ولذلك، لم يكن تعيين عدد من قضاة المحكمة خلال فترتي رئاسة ترامب مانعا من إخضاع أحد أهم قراراته للرقابة الدستورية وإبطال ما رأت المحكمة أنه يخالف الدستور، بما يؤكد أن الضمانة الحقيقية لاستقلال القضاء لا تكمن في طريقة التعيين، وإنما في التزام القاضي بأحكام الدستور وسيادة القانون.
ولا تقتصر أهمية هذه القضية على تأكيد استقلال القضاء، وإنما تكشف أيضا عن الدور الحقيقي للرقابة الدستورية، فهي لا تنصرف إلى تقييم السياسات العامة أو تنفيذ الوعود الانتخابية، وإنما تنحصر وظيفتها في التحقق من توافق أعمال السلطات العامة مع أحكام الدستور. فأية سلطة سياسية، سواء أكان رئيس الدولة في النظام الرئاسي أم الحكومة المنتخبة في النظام البرلماني، لا تملك تجاوز النصوص الدستورية أو تحصين قراراتها من الرقابة القضائية. ولذلك تبقى المحاكم الدستورية الحارس الأخير للدستور، والضمانة الأساسية للفصل بين السلطات وحماية الحقوق والحريات.
ويبقى واجبا على السلطة السياسية أن تنصاع للقرارات الصادرة في مجال الرقابة الدستورية وذلك استنادا إلى مبدأ استقلال القضاء وحجية الأحكام القضائية. إلا أن هذا السمو القضائي لا يحول دون ممارسة السلطتين التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتهما الدستورية. فإذا تعذر على السلطة التنفيذية تحقيق أحد أهدافها بسبب حكم قضائي، فإن الطريق الدستوري يبقى مفتوحا أمامها للبحث عن وسائل أخرى يجيزها الدستور لتحقيق هذه الغاية.
وهذا ما بدأت الولايات المتحدة تشهده بعد صدور حكم المحكمة العليا، إذ بدأ عدد من أعضاء الحزب الجمهوري بطرح مشاريع قوانين لمراجعة بعض الأحكام التشريعية المتعلقة بالجنسية بالولادة، في محاولة لتحقيق الهدف ذاته من خلال المسار التشريعي بعد أن تعذر تحقيقه بالأمر التنفيذي. فسمو الدستور لا يغلق باب الإصلاح التشريعي، وإنما يفرض أن يتم هذا التحديث ضمن الحدود الإجرائية والموضوعية التي رسمها الدستور.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعةالأردنية