لم تكن كرة القدم يومًا مجرد أرقام في دفاتر البنوك، ولا أسهمًا تُباع وتُشترى في أسواق المال، فهي لعبة الشعوب والفقراء، ذاكرة الملاعب، وصرخة الفرح التي تتجاوز الحدود.
ومع ذلك، وفي خطوة وُصفت بأنها أخطر تهديد لهوية اللعبة الشعبية الأولى، حاول الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» تحويل كأس العالم إلى سلعة استثمارية عبر مقترح إنشاء شركة تجارية بقيمة 20 مليار دولار، مع بيع جزء من أسهمها لمستثمرين من القطاع الخاص.
لقد حاول فيفا عبر هذا المقترح أن يختزل اللعبة الشعبية الأولى في العالم بمشروع استثماري ضخم، يضع كأس العالم تحت رحمة المستثمرين، وكأنها سلعة، وفي مقترح شكل تهديدًا مباشرًا لهويتها، وكاد أن يحول البطولة التي جمعت العالم على المدرجات والشاشات إلى أصل مالي يُدار من وراء المكاتب؟
ولأن كرة القدم ليست بورصة، وليست مجرد عقود ورعاية، بل هي متنفس الجماهير، وهي الرابط الذي يوحّد القارات تحت راية واحدة، ولحسن الحظ، لم تمر فكرة جياني انفانتينو مرور الكرام، حيث الاتحادات القارية، اللاعبون، الإعلام والجماهير، جميعهم رفعوا صوتهم عاليًا: لا لبيع كرة القدم.
هذا الضغط الدولي كان كفيلًا بإجبار فيفا على التراجع وسحب المقترح، في مشهد يثبت أن اللعبة ما زالت محمية بإرادة جماعية لا تُشترى ووضعت مصلحة اللعبة فوق أي حسابات مالية.
كما أثبت هذا التلاحم في رفض المقترح أن كرة القدم لطالما كانت قوة اجتماعية وثقافية لا يمكن خصخصتها، ولا مكان لهيمنة رأس المال على روح الرياضة، وسحب المقترح أعاد الثقة بأن الجماهير والاتحادات قادرة على حماية اللعبة.
وأخيراً.. إن سحب هذا المشروع انتصار للذاكرة والهوية، للمدرجات التي تهتف، ولقد أثبت أن كرة القدم ليست مشروعًا استثماريًا، وأنها ستبقى لعبة الشعوب، لا صفقة لأطماع المستثمرين وأصحاب رؤوس المال، وهي المكان الذي يلتقي فيه العالم على حب واحد لا يُباع ولا يُشترى.