القرارات السابقة التي حدّدت أعداد المقبولين في الطب وطب الأسنان بدت، في نظر كثيرين، منفصلة عن دراسة وطنية معلنة وشاملة تربط مخرجات كليات الطب بحاجات النظام الصحي وسوق العمل. فالأرقام المجردة لعدد الأطباء لا تكفي للحكم بوجود فائض أو عجز؛ إذ لا بد من معرفة توزيعهم بين المحافظات، وبين القطاعين العام والخاص، وبين المدن والمناطق الطرفية، فضلاً عن أعداد من يغادرون الأردن سنوياً للتخصص أو العمل في الخارج. كما ينبغي أن تُقرأ هذه الأرقام في ضوء حاجة السكان المتزايدة إلى الرعاية الصحية الأولية، وإلى خدمات طبية مستدامة في المحافظات والمناطق التي ما تزال تعاني نقصاً في التغطية أو صعوبة في الوصول إلى الخدمة.
إن وجود أطباء في العاصمة أو في عدد محدود من المراكز الحضرية لا يعني بالضرورة توافر الرعاية الصحية في جميع أنحاء المملكة. فالتحدي الحقيقي ليس فقط في عدد الأطباء، بل في عدالة توزيعهم، وفي قدرتنا على استبقائهم في المناطق التي تحتاجهم، وعلى تمكينهم من ممارسة دور مهني واضح ومجزٍ. ومن هنا، فإن أي سياسة للقبول يجب أن تستند إلى خريطة وطنية محدثة للقوى العاملة الصحية، تشمل الاختصاصات، والمحافظات، وحجم السكان، وحاجة المرافق الصحية، ومتطلبات الرعاية الأولية والوقاية وإدارة الأمراض المزمنة.
وفي خضم النقاش، تتكرر مقولة مفادها أن كل خريج طب يجب أن يحصل بالضرورة على مقعد إقامة في اختصاص دقيق. وهذه المقولة، على الرغم من حسن نيتها، لا تنسجم مع فلسفة الأنظمة الصحية الحديثة. فالطب ليس طريقاً واحداً ينتهي حتماً إلى التخصص الدقيق، والطبيب العام أو طبيب الأسرة ليس طبيباً "لم يكتمل مساره"، بل هو ركن أساسي في منظومة الرعاية الصحية الفاعلة. وهو الطبيب الأقرب إلى الأسرة والمجتمع، والأقدر على الوقاية والكشف المبكر، ومتابعة الأمراض المزمنة، وفرز الحالات التي تحتاج إلى إحالة اختصاصية في الوقت المناسب.
ولعل التجربة الأميركية تقدم مثالاً واضحاً في هذا السياق. فعلى الرغم من ضخامة النظام الصحي الأميركي وتعدد تخصصاته الدقيقة، فإن نسبة الأطباء العاملين في الرعاية الأولية لا تزال في حدود 26 إلى 28% من مجموع الأطباء، في حين أن التوجهات والسياسات الصحية تسعى إلى الاقتراب من نسبة 40%؛ نظراً لما يمثله ذلك من ضرورة لتحسين الوصول إلى الخدمة، ولا سيما في المناطق الريفية والمحرومة، ولضبط الكلفة الصحية على المدى الطويل. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى اختصاصيين، بل يعني أنها تدرك أن التوسع غير المتوازن في التخصصات الدقيقة، على حساب طب الأسرة والرعاية الأولية، يخلق نظاماً أعلى كلفة وأقل قدرة على الوقاية والتدخل المبكر.
إن الدرس الذي يمكن أن يستفيد منه الأردن ليس استنساخ النموذج الأميركي، بل فهم مبدئه: وجود عدد أكبر من خريجي الطب لا يعني تلقائياً ضرورة توفير مقعد اختصاص دقيق لكل منهم. المطلوب هو بناء مسار مهني محترم وواضح للطبيب العام وطبيب الأسرة، يترافق مع وظائف حقيقية، ودخل عادل، ومسؤوليات مهنية محددة، وفرص للتطوير والتعليم المستمر. عندها يصبح العمل في الرعاية الأولية خياراً مهنياً جاذباً، لا مرحلة انتظار اضطرارية لمقعد إقامة.
وفي الأردن، تبرز فجوة فعلية بين أعداد الخريجين ومقاعد الإقامة المتاحة. فقد أُشير إلى أن عدد خريجي الطب في عام 2025 بلغ نحو 4,454 طبيباً، في مقابل ما يقارب 1,040 مقعد إقامة فقط. غير أن معالجة هذه الفجوة لا تكون بإغلاق باب دراسة الطب أو تقليصه بصورة عامة، بل بإعادة تعريف احتياجات النظام الصحي من الخريج الجديد. فمن غير المنطقي أن نقيس قيمة الطبيب حصراً بقدرته على دخول برنامج اختصاص، ثم نعتبر عدم حصوله عليه دليلاً على فائض أو فشل في التخطيط. القيمة الحقيقية للطبيب تقاس بما يقدمه للمريض والمجتمع، سواء مارس طب الأسرة، أو الرعاية الأولية، أو الصحة العامة، أو الطب المهني، أو أي مسار يحتاجه الوطن فعلاً.
ثم إن تقييد القبول المحلي لا يلغي رغبة الطلبة في دراسة الطب، بل قد يدفع كثيراً منهم إلى البحث عن مقاعد خارج الأردن. وهذا يترتب عليه استنزاف للعملة الصعبة، وضغط مالي ونفسي على الأسر، فضلاً عن تفاوت محتمل في جودة البرامج التعليمية والتدريب السريري بين المؤسسات التي يلتحقون بها. وبدلاً من أن تستفيد الجامعات الأردنية من الطلبة الأردنيين، وأن تخضع مخرجاتهم لمعاييرها الأكاديمية وتدريبها السريري، فإننا نخاطر بتحويل جانب من هذا الطلب إلى الخارج، ثم نعود لاحقاً لمواجهة تحديات المعادلات والاعتراف والتدريب.
ولا ينبغي أيضاً إغفال أثر هذه السياسة في الجامعات نفسها. فكليات الطب ليست مباني وقاعات فقط، بل استثمارات طويلة الأجل في المختبرات، والمحاكاة السريرية، وأعضاء هيئة التدريس، والمستشفيات الجامعية، والموظفين الإداريين والفنيين. وقد بُنيت هذه الاستثمارات على توقعات تتعلق بالطاقة التعليمية والقبولات والمداخيل. وعندما تُتخذ قرارات تخفيض جوهري للمقاعد من دون دراسة متكاملة لأثرها المالي والتشغيلي، فإن العبء لا يقع على الكليات وحدها، بل قد يمتد إلى برامج جامعية أخرى وإلى منظومة الدعم والتوظيف الأكاديمي بأكملها.
إن تأييد زيادة المقاعد لا يعني الدعوة إلى توسع غير محسوب أو التهاون في معايير الجودة. فالتوسع الذي لا يرافقه عدد كافٍ من أعضاء هيئة التدريس، ومقاعد تدريب سريري حقيقية، وإشراف أكاديمي رصين، وبيئة تعليمية مناسبة، سيكون توسعاً ضاراً بالطالب والمجتمع. لكن التقييد غير المدروس ليس حلاً علمياً أيضاً. الطريق الصحيح هو التوسع المنضبط، المرتبط بالطاقة الاستيعابية الفعلية لكل كلية، وبمعايير اعتماد واضحة، وباحتياجات صحية ووطنية مدروسة، وبمراجعة دورية شفافة للأرقام والنتائج.
وهنا تبرز نقطة جوهرية تتعلق بطريقة حساب الطاقات الاستيعابية في كليات الطب. فالتعليم الطبي يختلف جوهرياً عن سائر البرامج الجامعية؛ إذ لا يُقاس بعدد المقاعد في القاعات فحسب، بل بعدد الأسرّة السريرية المتاحة للتدريب، وعدد الحالات التي يمر بها الطالب، ونسبة الإشراف المباشر من أعضاء هيئة التدريس، وجودة البيئة التعليمية في المستشفيات والمراكز الصحية. ومعنى ذلك أن أي دراسة للطاقة الاستيعابية يجب أن تأخذ في الحسبان هذه المعايير الخاصة بالتعليم السريري، لا أن تُطبَّق عليها مقاييس الكليات النظرية أو المهنية الأخرى.
كما أن هناك فرصة واعدة لتعزيز الطاقة التدريبية من خلال تفعيل الشراكات مع مستشفيات القطاعات الطبية المختلفة: الحكومي، والعسكري، والجامعي، والخاص، وغير الربحي. فالكثير من هذه المستشفيات يملك كفاءات تدريسية وطاقات سريرية يمكن الاستفادة منها عبر اتفاقيات اعتماد وتدريب مشتركة، بما يوسع قاعدة التدريب السريري للطلبة، ويحسّن جودة التعرض للحالات، ويخلق جسراً مبكراً بين الطالب وسوق العمل. وهذا النموذج معتمد في دول عدة، حيث تُعتمد مستشفيات متعددة كمراكز تدريب لكليات الطب، وفق معايير واضحة للإشراف والتقييم.
والأهم من ذلك أن الأردن يملك فرصة تاريخية لتحويل هذا التحدي إلى مكسب استراتيجي. فسمعة التعليم الطبي الأردني، وجودة خريجيه، وتجربة المستشفيات الجامعية في التدريب السريري، جعلت من الأردن مقصداً لطلبة الطب من دول عربية وأجنبية عدة. وكليات الطب بحد ذاتها استثمار ناجح يجذب هؤلاء الطلبة، ويحقق مداخيل للجامعات، ويعزز الدور الإقليمي للمملكة في التعليم الصحي. وزيادة المقاعد، إذا ما أُحسنت إدارتها، يمكن أن تعزّز هذا الدور، وتجعل من الأردن مركزاً إقليمياً لتخريج أطباء مؤهلين، لا يخدمون النظام الصحي الأردني وحده، بل يصدرون كفاءتهم إلى دول المنطقة والعالم.
إن خريج الطب الأردني، بفضل جودة تدريبه وقدرته على التعامل مع تنوع الحالات السريرية، يجد فرص عمل في دول عربية وأجنبية عدة، ما يخلق جسراً مهنياً واقتصادياً بين الأردن وهذه الدول، ويعزز صورة المملكة كبلد منتج للكفاءات الطبية. وفي الوقت نفسه، فإن وجود عدد أكبر من الخريجين المدربين تدريباً جيداً يرفع مستوى الخدمة الصحية داخل الأردن، ويقلل فترات الانتظار، ويحسّن فرص الوصول إلى الرعاية، ولا سيما في المناطق التي تعاني نقصاً في التغطية.
إن الأردن يملك إرثاً محترماً في التعليم الطبي وفي الكفاءات الصحية، كما يملك طموحاً مشروعاً في أن يحافظ على دوره الإقليمي في العلاج والتعليم. ولذلك فإن قرار مقاعد الطب وطب الأسنان يجب ألا يبقى قراراً إدارياً منعزلاً، بل جزءاً من سياسة وطنية متكاملة للقوى العاملة الصحية. سياسة تنظر إلى الطبيب العام وطبيب الأسرة بوصفهما جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة؛ وتحمي حق الطلبة المتفوقين في السعي إلى حلمهم، من دون التفريط بجودة التعليم أو بحق المجتمع في خدمة صحية عادلة وميسّرة.
المطلوب اليوم ليس العودة إلى الأرقام السابقة أو الدفاع عن أرقام جديدة لمجرد أنها جديدة، بل إنشاء دراسة وطنية مستقلة وعلنية تستند إلى البيانات، وتحدد حاجة المملكة من الأطباء حسب المحافظات والاختصاصات ومستويات الرعاية، وتأخذ في الحسبان الهجرة، والتقاعد، والنمو السكاني، والطلبة الدارسين في الخارج، والطاقة التدريبية للجامعات والمستشفيات. عندها فقط يمكن أن يكون قرار زيادة المقاعد، أو تنظيمها، قراراً وطنياً مسؤولاً يعبّر عن مصلحة الأردن، لا عن وجهة نظر عابرة أو خوف غير مدعوم بالدليل.