احتمال إغلاق مضيق باب المندب أو تعطل حركة الملاحة فيه مسألة مكلفة اقتصاديًا، ولكن كما أثبتت التجربة فإن العلاقات مع السوريين تفتح أمام الأردن طريقًا آخر يمكن أن يساعد في المحافظة على سلاسل التوريد الاستراتيجية، خاصةً أن الطريق السوري بقي لسنوات طويلة خارج الحسابات الأردنية أو يعمل في حدود ضيقة، بينما أعادت التطورات الأخيرة إمكانية استخدامه بصورة أكثر فاعلية في حركة البضائع القادمة إلى الأردن أو العابرة من خلاله.
من جديد يتمكن الأردن من إدارة اختبار يتعلق بسلاسل التوريد، ويبدو أن القرارات التي اتخذت في السياسات المتعلقة بالأمن الغذائي وإدارة الاحتياطيات الاستراتيجية من المواد الأساسية عززت من منعة الأردن في مواجهة التقلبات الإقليمية، خاصةً أن المملكة اختبرت خلال السنوات الأخيرة أكثر من أزمة كان يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على توفر السلع الأساسية، وأصبح وجود مخزونات كافية وتعدد طرق وصولها مسألة أمن وطني واقتصادي تتجاوز الحسابات التجارية.
لا يعني ذلك أن الأزمة ستمر من غير تكلفة، ويمكن أن يتحمل المستهلك الأردني جزءًا منها، ولكن الفارق يبقى كبيرًا بين ارتفاع تكلفة بعض السلع وبين تعطل وصولها أو نقصها في الأسواق، ولذلك يصبح الاختبار الحقيقي في قدرة الحكومة على منع انتقال الاضطراب الإقليمي إلى حالة من القلق الداخلي أو الارتفاع غير المبرر في الأسعار.
ويتطلب ذلك مزيدًا من الانتباه لتعزيز آليات الدعم المناسبة، خاصةً مع توسع الأدوار التي تقوم بها المؤسستان الاستهلاكيتان العسكرية والمدنية مؤخرًا، ويمكن لهما أن تلعبا دورًا أكبر في المحافظة على استقرار أسعار مجموعة من السلع الأساسية، إلى جانب الحاجة إلى حملات من التوعية وبث الطمأنينة بخصوص توفر المواد وخبرة الأردن في إدارة الأزمات في مراحل مختلفة من تاريخه.
الأردن دولة محدودة الموارد ومحاطة بمنطقة لم تتوقف أزماتها منذ عقود، ولا يمكنها أن تختار في كل مرة الأزمة التي ستقع أو الطريق الذي سيتعطل، ولكنها تستطيع أن تحتفظ بأكبر عدد ممكن من الطرق مفتوحة أمامها، وأن تدخل الأزمة التالية بخيارات أكثر من تلك التي كانت لديها في الأزمة السابقة.
العلاقة مع سوريا في هذه الحالة لا تتعلق بموقف سياسي مجرد، فالطريق البري الذي بقي مغلقًا أو محدود الاستخدام لسنوات طويلة يعود اليوم ليقدم للأردن خيارًا إضافيًا في وقت يمكن أن تتعرض فيه طرق أخرى للتهديد، وهو ما يؤكد على أن العلاقات الجيدة مع دول الجوار ليست ترفًا سياسيًا بقدر ما تمثل استثمارًا تظهر قيمته الحقيقية عندما تبدأ الأزمات.