يشكل النظام الداخلي لمجلس النواب أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها العملية التشريعية في المملكة، باعتباره المرجعية الناظمة لإدارة الجلسات، وتنظيم المناقشات، وآليات التصويت، وضمان ممارسة النواب لدورهم التشريعي والرقابي وفق أحكام الدستور.
ومع استمرار المجلس في مناقشة مشاريع قوانين إصلاحية واقتصادية وإدارية، تتزايد أهمية الالتزام بأحكامه لضمان جودة التشريع، وتعزيز كفاءة الأداء البرلماني، وترسيخ الثقة بمخرجات السلطة التشريعية.
وأظهرت متابعة ميدانية أجرتها صحيفة «الرأي» لجلسات مجلس النواب خلال الدورة الاستثنائية للدورة العادية الثانية، تكرار خروج بعض النواب عن جدول الأعمال أثناء مناقشة مشاريع القوانين، سواء من خلال التوسع في قضايا لا ترتبط مباشرة بالتشريعات المطروحة، أو مقاطعة مجريات النقاش، الأمر الذي استدعى تدخل رئاسة المجلس في أكثر من مناسبة لإعادة الجلسات إلى مسارها الذي رسمه النظام الداخلي، بما يضمن انتظام سير المناقشات واستكمالها وفق الأصول البرلمانية.
وأكد أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق بالجامعة الأردنية، الأستاذ الدكتور ليث نصراوين، أن احترام مجلس النواب لأحكام نظامه الداخلي لا يعد مسألة تنظيمية داخلية أو إجراءات شكلية يمكن تجاوزها، وإنما يمثل ضمانة دستورية أساسية لسلامة التشريع وجودته.
وقال نصراوين في حديثه لـ «الرأي»، إن القانون لا يكتسب مشروعيته بمجرد موافقة الأغلبية عليه، وإنما يجب أن يصدر وفقا للإجراءات التي رسمها الدستور واستكمل النظام الداخلي تفاصيلها، مبينا أن قواعد المناقشة والتصويت، وآليات إعادة فتح النقاش أو إعادة التصويت على المواد، تعد ضمانات إجرائية تكفل تشكل الإرادة التشريعية بصورة صحيحة، وتضمن إتاحة الفرصة لجميع النواب لممارسة اختصاصهم الدستوري في مناقشة النصوص وإبداء الرأي بشأنها.
وأضاف نصراوين، أن أهمية الالتزام بهذه الإجراءات تزداد في ظل وجود المحكمة الدستورية التي تملك صلاحية الرقابة على دستورية القوانين النافذة، موضحا أن هذه الرقابة لا تقتصر على مضمون التشريع ومدى توافقه مع أحكام الدستور، وإنما تمتد أيضا إلى التحقق من استكمال الإجراءات الدستورية الجوهرية التي رافقت إصدار القوانين.
وأشار إلى أن أي غموض أو قصور في تنظيم الإجراءات البرلمانية، أو أي مخالفة للقواعد التي تحكم مناقشة مشاريع القوانين والتصويت عليها كما وردت في الدستور، قد يشكل سببا لإثارة الدفع بعدم دستورية القانون، وقد يفضي إلى الحكم بإلغائه.
وبين نصراوين أن الممارسة البرلمانية أظهرت الحاجة إلى تطوير بعض أحكام النظام الداخلي، ولا سيما في المسائل المتعلقة بإعادة فتح النقاش وإعادة التصويت على مواد سبق إقرارها، مؤكدا أن وجود نصوص واضحة وحاسمة تنظم هذه الحالات من شأنه الحد من تضارب الاجتهادات البرلمانية، وتعزيز استقرار التشريع، وحمايته من المنازعات الدستورية مستقبلا.
وأوضح أن كلما كانت إجراءات سن القوانين أكثر وضوحا وانضباطا، ازدادت حصانة التشريع أمام الرقابة الدستورية، وتعززت الثقة بمخرجات السلطة التشريعية، وترسخ مبدأ الأمن القانوني الذي يعد أحد أهم مقومات دولة القانون والمؤسسات.
ويرى مختصون في الشأن البرلماني أن الالتزام بأحكام النظام الداخلي لا يقتصر على كونه التزاما إجرائيا، بل يمثل أحد أهم مقومات جودة التشريع، إذ يتيح مناقشة مشاريع القوانين وفق أسس واضحة، ويمنع إطالة الجلسات أو تحويلها إلى سجالات جانبية قد تؤثر في كفاءة الأداء التشريعي والرقابي للمجلس.
كما يسهم احترام النظام الداخلي في تعزيز الشفافية وترسيخ ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية، لا سيما في ظل النقل المباشر لجلسات المجلس عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حيث أصبح الرأي العام يتابع أداء النواب ومدى التزامهم بالقواعد والإجراءات الناظمة للعمل البرلماني.
ومع استمرار مجلس النواب في مناقشة حزمة من مشاريع القوانين ذات الأثر الاقتصادي والإداري والإصلاحي، تبرز أهمية الالتزام بأحكام النظام الداخلي باعتباره الضامن لسلامة الإجراءات التشريعية وجودة مخرجاتها، وبما يعزز الثقة بالمؤسسة التشريعية ويكرس مبادئ دولة القانون والمؤسسات.
وفي الوقت ذاته، تبقى الحاجة قائمة إلى تحقيق التوازن بين حيوية النقاشات البرلمانية التي تثري العمل التشريعي، والالتزام الصارم بالإجراءات التي تكفل سلامة التشريع، وهو ما يطرح تساؤلا محوريا: كيف يمكن تحقيق هذا التوازن بما يضمن فاعلية الأداء البرلماني ويحافظ في الوقت نفسه على سلامة العملية التشريعية؟