الزعبي: حماية النحل قضية استراتيجية تمس الأمن الغذائي
العوران: قطاع النحل ركيزة للأمن الغذائي ويستحق دعماً حقيقياً
80 ألف خلية تنتج نحو 800 طن من العسل سنوياً في الأردن
العسل المحلي يغطي 70% من الاستهلاك..ودعوات لتقليص الاستيراد
أكد الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن قطاع تربية النحل في الأردن يمثل ركناً أساسياً في منظومة الأمن الغذائي الوطني، وليس مجرد نشاط لإنتاج العسل، مشيراً إلى أن خدمات التلقيح التي يقدمها النحل للمحاصيل الزراعية بلا مقابل تجعل من حماية هذا الكائن الصغير قضية استراتيجية تستحق سياسات كبيرة.
جاء ذلك بمناسبة انطلاق فعاليات مهرجان العسل الأردني الثاني 2026 في حدائق الحسين بعمّان، الأربعاء الماضي، الذي ينظمه الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين برعاية وزير الزراعة الدكتور صائب الخريسات، تحت شعار «عسل الأردن.. ذهب الطبيعة الأصيل»، ليرسّخ بذلك موقعه حدثاً سنوياً ثابتاً على الخارطة الزراعية الأردنية، في وقت يتصاعد فيه الاهتمام العالمي بحماية النحل بوصفه من أهم الكائنات الداعمة للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
وقال الزعبي لـ«الراي» إن القضية أكبر من العسل بكثير، لافتاً إلى أن تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تشير إلى أن نحو 75 بالمئة من المحاصيل الغذائية في العالم تعتمد بدرجات متفاوتة على الملقّحات وفي مقدمتها النحل، فيما تقدّر المنصة الحكومية الدولية للتنوع البيولوجي (IPBES) القيمة الاقتصادية العالمية لخدمات التلقيح بما بين 235 و577 مليار دولار سنوياً. وأوضح أن مساهمة النحل لا تقتصر على زيادة الإنتاجية الزراعية، بل تمتد إلى تحسين جودة الثمار والبذور وصون التنوع النباتي واستدامة النظم البيئية التي تقوم عليها الزراعة نفسها، مؤكداً أن تراجع أعداد الملقّحات عالمياً ليس مشكلة نحالين فحسب، بل تهديد مباشر لسلاسل الغذاء.
وبيّن الزعبي أن العسل هو الوجه الأشهر لاقتصاد الخلية لا كله، إذ تنتج الخلية إلى جانبه غذاء الملكات والبروبوليس (العكبر) وحبوب اللقاح وشمع النحل وسم النحل، وهي منتجات تتسع استخداماتها الطبية والغذائية والتجميلية عاماً بعد عام، وتشكل سلسلة قيمة واعدة قادرة على مضاعفة العائد الاقتصادي للمنحل الواحد إذا أُحسن تطويرها وتسويقها.
وأشار إلى أن القطاع يضم محلياً ما بين ثلاثة وأربعة آلاف نحّال يديرون نحو ثمانين ألف خلية موزعة على محافظات المملكة، ويتراوح الإنتاج السنوي المعتاد بين 600 و800 طن تغطي نحو 70 بالمئة من الاستهلاك المحلي، فيما تسد المستوردات الفجوة المتبقية. وينتج الأردن قرابة تسعة عشر نوعاً من العسل، أبرزها السدر والحمضيات والكينا والزهور البرية والعسل الجبلي، ويشغّل القطاع آلاف الأسر الريفية ويوفر فرص دخل للشباب والنساء. غير أن موسم 2025 كشف هشاشة القطاع أمام التغيرات المناخية، إذ تراجع الإنتاج بأكثر من 60 بالمئة إلى نحو 350 طناً بفعل الجفاف وشح المراعي الرحيقية، فضلاً عن تحديات المبيدات الزراعية، والأمراض والآفات وفي مقدمتها الفاروا، وارتفاع كلف الإنتاج، ومنافسة العسل المستورد والمغشوش، ومحدودية التمويل وقنوات التسويق. وفي المقابل، تعمل وزارة الزراعة على ترخيص المناحل وترقيم الخلايا بأرقام وطنية لبناء قاعدة بيانات دقيقة تشكل أساساً للتخطيط والرقابة والتتبع.
ولفت الزعبي إلى الدور الذي يؤديه الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين، مبيناً أن مهرجان العسل الذي استقطبت نسخته الأولى أكثر من عشرة آلاف زائر وحققت مبيعاتها المباشرة ما يتجاوز 60 ألف دينار، لم يعد فعالية تسويقية موسمية، بل منصة وطنية تربط النحال بالمستهلك مباشرة وتنشر ثقافة استهلاك العسل الأردني. وأضاف أن الاتحاد يعمل بالتوازي على رفع قدرات النحالين تدريباً وإرشاداً، ونقل التقنيات الحديثة في تربية النحل وإدارة المناحل، ودعم فحوصات الجودة والكشف عن الغش بالتعاون مع وزارة الزراعة ولجنة حماية العسل الأردني، بما يعزز ثقة المستهلك ويشجع الابتكار وريادة الأعمال في القطاع، إضافة إلى فتح قنوات تسويق جديدة أمام المنتجين وتوفير مساحة اختبار حقيقية لمنتجات مبتكرة من مشتقات الخلية.
وأوضح أن الاتحاد ترجم هذا التوجه بشراكات استراتيجية، أبرزها اتفاقية تعاون مع منظمة الفاو لتطوير القطاع وبناء قدرات النحالين وتحسين الممارسات الفنية والإدارية وتعزيز استدامة الإنتاج، إلى جانب اتفاقية وُقّعت على هامش افتتاح المهرجان مع مؤسسة الإقراض الزراعي لتوفير قروض ميسّرة تمكّن النحالين من تحديث مناحلهم وزيادة إنتاجهم، وتفتح الباب أمام الشباب للاستثمار في هذا القطاع.
وشدد الزعبي على أن حماية قطاع النحل تبدأ بصون المراعي الطبيعية والأشجار الرحيقية، والتوسع في زراعة النباتات الصديقة للنحل، وتنظيم استخدام المبيدات بما يحمي الملقحات، ودعم البحث العلمي والابتكار، وتوسيع برامج التمويل والتأمين الزراعي الخاصة بالنحالين، ومساندة تسويق العسل الأردني داخلياً وخارجياً بوصفه منتجاً وطنياً عالي الجودة أثبت حضوره في المحافل الدولية، مؤكداً أن كل دينار يُستثمر في حماية النحلة هو استثمار مباشر في مستقبل الزراعة والأمن الغذائي في الأردن.
من جانبه، دعا مدير عام اتحاد المزارعين الأردنيين محمود العوران إلى دعم حقيقي لقطاع تربية النحل، مؤكدًا أن هذا القطاع يشكل الشرارة الأولى في العملية الإنتاجية الزراعية، وأن إنتاج العسل في الأردن يمكن أن يحد من الاستيراد إذا ما توافرت الحماية والتشجيع اللازمان للمنتج المحلي.
وقال العوران، في تصريح لـ«الرأي»، إن مهرجان العسل والنخل يعبّر عن ارتباط تاريخي يمتد لآلاف السنين بين النحل والعسل والدواء، مشيرًا إلى أن النحل ينبغي أن يُنظر إليه كقطاع زراعي له أبعاد بيئية واقتصادية واجتماعية متكاملة.
وأوضح أن البعد البيئي يتمثل في دور النحل الأساسي في تلقيح الأشجار والمحاصيل، فرغم أن بعض النباتات تتم عملية تلقيحها ذاتيًا أو عبر الرياح، إلا أن وجود النحل يرفع من كمية الإنتاج ويحسّن جودته، باعتباره أحد عوامل تحفيز النمو التي تسهم في المحافظة على الأشجار.
وأضاف أن البعد الاقتصادي يتجلى في تضاعف الإنتاجية كلما ازداد عدد الأشجار وتنوعت المحاصيل ذات الجودة العالية، لافتًا إلى أن أهمية منتجات النحل لم تعد مقتصرة على العسل، بل باتت تشمل مشتقات أخرى مرتفعة القيمة مثل حبوب اللقاح والعكبر وخل العسل وسم النحل، الذي يدخل في صناعة مستحضرات التجميل وغيرها من الاستخدامات، وهو ما يربط هذا القطاع بمنظومة الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي، ويستوجب دعمًا حقيقيًا له باعتباره نشاطًا ذا بعد اجتماعي أيضًا.
وأشار العوران إلى أن البيئة الأردنية مؤهلة لتوفير مراعٍ للنحل على مدار العام، من خلال ما يعرف برحلة الشتاء والصيف؛ إذ تتوافر في الشتاء مناطق منخفضة كوادي الأردن، ثم المناطق الشفوية، فالمرتفعة، بحيث يتوفر الغذاء للنحل طوال العام في حال توافرت الأمطار، وهو ما ينعكس إيجابًا على إنتاجية الأشجار والمحاصيل.
ولفت إلى أن قطاع النحل، شأنه شأن باقي القطاعات الزراعية، يتأثر بالتغيرات المناخية من شح في مياه الأمطار وتذبذب في هطولها وارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة والرياح، مبينًا أن الموسم الحالي يُعد من أفضل المواسم منذ أكثر من عشر سنوات، بفضل توافر المراعي الطبيعية المتنوعة من حمضيات وأزهار ربيعية ونباتات طبية وعطرية، وهو ما يستدعي مزيدًا من الاهتمام بهذا القطاع بوصفه داعمًا رئيسيًا للثروة النباتية.
وختم العوران بالدعوة إلى تكثيف التوعية والتثقيف بين المزارعين، محذرًا من أن الإفراط في رش المبيدات يؤدي إلى القضاء على النحل، ومؤكدًا أن الاستثمار في هذا القطاع يصب في خدمة الأمن الغذائي، داعيًا إلى حماية المنتج المحلي وتوجيه المستهلكين نحوه والترويج له، خاصة في ظل توافر المراعي الطبيعية التي تتيح إنتاج كميات تحد من الحاجة إلى استيراد العسل.