يحتفل العالم في الحادي والعشرين من أيلول من كل عام باليوم الدولي للسلام، في مناسبة أممية تتجدد فيها الدعوة إلى وقف النزاعات والعنف، وإعلاء لغة الحوار والدبلوماسية، والبحث عن حلول سياسية تحفظ أمن الشعوب وحقوقها.
ويأتي الاحتفال هذا العام في وقت يواجه فيه العالم، والشرق الأوسط على وجه الخصوص، أزمات وصراعات متشابكة، جعلت تحقيق السلام والاستقرار أولوية تتجاوز حدود الدول لتصبح مسؤولية دولية مشتركة.
وتحمل مناسبة عام 2026 شعار «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»، في تأكيد أممي على أن السلام لا يمكن أن يكون مجرد اتفاقات مؤقتة تنهي القتال، بل عملية متواصلة تتطلب الاستثمار في الإنسان، والتنمية، والتعليم، والحوار، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان.
وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي للسلام عام 1981، فيما حددت 21 أيلول من كل عام يوماً لتعزيز السلام والامتناع عن العنف.
وفي الأردن، تحمل المناسبة بعداً خاصاً، في ظل الموقع الجغرافي للمملكة في منطقة شهدت خلال العقود الماضية حروباً وأزمات متلاحقة، انعكست آثارها السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية على دول المنطقة، فيما كان الأردن في مقدمة الدول التي تعاملت بصورة مباشرة مع تداعيات هذه الأزمات.
ويقوم الموقف الأردني تجاه قضايا المنطقة على دعم الحلول السياسية والحوار والدبلوماسية، والتأكيد على احترام القانون الدولي وحماية المدنيين، باعتبار أن معالجة جذور النزاعات هي الطريق نحو سلام مستدام، وأن استمرار الأزمات دون حلول سياسية يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وتبقى القضية الفلسطينية في صدارة الملفات المرتبطة بالسلام في المنطقة، إذ يؤكد الأردن باستمرار ضرورة تحقيق السلام العادل والدائم، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين ووفق المرجعيات الدولية.
ويرتبط السلام بالنسبة للأردن كذلك بالأمن الإقليمي، إذ أن استمرار الصراعات ينعكس على دول الجوار من خلال النزوح واللجوء والضغوط الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن تأثيراته على التجارة والطاقة والاستثمار والتنمية.
وفي هذا السياق، شكلت استضافة الأردن للاجئين من دول شهدت نزاعات وأزمات أحد أبرز الأبعاد الإنسانية التي فرضتها التطورات الإقليمية، وتعاونت المملكة مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، في وقت شكلت فيه أعداد اللاجئين والتحديات الاقتصادية المرتبطة بها ضغطاً إضافياً على قطاعات الخدمات والبنية التحتية.
ولا تقتصر مساهمة الأردن في جهود السلام على الجانب الدبلوماسي والإنساني، إذ تشارك في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في إطار الجهود الدولية الرامية إلى دعم الاستقرار في مناطق النزاعات.
وفي رسالة اليوم الدولي للسلام لعام 2026، تركز الأمم المتحدة على أهمية الدبلوماسية والحوار والتفاوض والوساطة، باعتبارها أدوات أساسية لمنع النزاعات وتسوية الخلافات، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي.
ويبرز كذلك دور الشباب والتعليم والإعلام والمجتمع المدني في بناء ثقافة السلام، إذ إن ترسيخ قيم الحوار وقبول الاختلاف ونبذ العنف وخطاب الكراهية يبدأ من المجتمع، ولا يقتصر على المؤسسات السياسية والدولية.
ومن هنا، تتجاوز مناسبة اليوم الدولي للسلام الجانب الاحتفالي لتصبح مناسبة للتذكير بأن الاستقرار الإقليمي يحتاج إلى جهود سياسية ودبلوماسية وإنسانية متواصلة، وأن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.
وبالنسبة للأردن، فإن السلام يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل المنطقة وأمنها واستقرارها، وهو ما يجعل استمرار الجهود الدبلوماسية ودعم الحلول السياسية وتعزيز التعاون الدولي جزءاً أساسياً من التعامل مع التحديات الإقليمية.
وفي 21 أيلول، تتجدد الرسالة الأممية بأن السلام لا يُبنى في يوم واحد، ولا يتحقق بقرار منفرد، وإنما يحتاج إلى إرادة سياسية وحوار مستمر واستثمار في الإنسان والتنمية، وإلى تعاون دولي قادر على تحويل وقف النزاعات إلى سلام دائم.