فالتغير المناخي لا يعني توقف الأمطار، بل إن توقيتها وتوزيعها وشدتها أصبحت أقل قابلية للتنبؤ. وقد تهطل الأمطار بغزارة خلال فترة قصيرة، لكنها لا تحقق الفائدة الزراعية التي توفرها أمطار موزعة بانتظام؛ فالزراعة تعتمد أيضًا على وصول المياه في الوقت المناسب.
وأمام هذا الواقع، لا يكفي الاعتماد على زيادة الري والمدخلات الزراعية. فالنظام الزراعي القادر على الصمود يحتاج إلى تنوع في موارده النباتية والوراثية، بما يمنحه خيارات أوسع للاستجابة للظروف المتغيرة.
فالاختلاف بين الأصناف قد يحمل صفات تساعد النبات على تحمل الجفاف والحرارة والملوحة، ومقاومة الآفات والأمراض، واستخدام المياه بكفاءة. وكلما ضاقت هذه القاعدة الوراثية، تقلصت قدرة البحث الزراعي على تطوير حلول لتحديات المستقبل.
وتكتسب هذه الموارد أهمية خاصة في الأردن، حيث حافظ المزارعون عبر أجيال على أصناف محلية انتخبوها وفق قدرتها على الاستمرار والإنتاج في بيئاتهم. لذلك، لا تمثل هذه الأصناف «بذورًا قديمة»، بل موارد وراثية تشكلت عبر التكيف والانتخاب، وارتبطت بمعرفة زراعية متراكمة.
وقد تكرر خلال التدريبات السؤال عن المفاضلة بين الأصناف البلدية والهجن التجارية من الجيل الأول F1. فالهجن قد تحقق تجانسًا وإنتاجية مرتفعة عند توافر الإدارة المناسبة، بينما تتميز الأصناف البلدية بتنوعها الوراثي وتكيفها المحلي، وتتيح حفظ بذورها وإكثارها. والمطلوب ليس إقصاء أحد الخيارين، بل الاختيار وفق ظروف الموقع وموارد المزارع وطبيعة المخاطر.
وهنا تبرز الأهمية الاستراتيجية للبنك الوطني للبذور، الذي لا تقتصر وظيفته على التخزين، بل تشمل جمع الموارد الوراثية وتوثيقها وفحصها وحفظها وتجديدها وتقييمها. ويُعد تنامي عدد المدخلات والعينات المحفوظة إنجازًا وطنيًا أساسيًا؛ لأنه يعكس اتساع قاعدة الموارد التي جرى إنقاذها من الفقد وصونها للأجيال المقبلة.
وتتضاعف قيمة هذه المجموعات عندما تُتاح للبحث وبرامج التربية النباتية، وتُستخدم في تطوير أصناف ونظم إنتاج ملائمة للبيئات المحلية واستعادة الأراضي المتدهورة. كما يتكامل حفظها في البنك مع استمرار زراعتها في الحقول؛ فالبنك يحمي المادة الوراثية، بينما يسمح الحقل باستمرار تفاعلها مع البيئة.
ولا تنفصل البذور عن المعرفة المرتبطة بها؛ فالمزارعون يعرفون الأصناف التي تنجح عند تأخر الأمطار، أو تتحمل التربة الفقيرة، أو تلائم التخزين والاستخدامات الغذائية المحلية. وعندما تُوثق هذه المعرفة علميًا وأخلاقيًا، فإنها تمنح العينات المحفوظة قيمة تطبيقية لا توفرها البيانات المخبرية وحدها.
ومن هنا تأتي أهمية إشراك المجتمعات المحلية من خلال «علم المواطن» في رصد الأصناف وتوثيقها وجمع بذورها. كما يسهم إشراك النساء في حفظ المعارف المتوارثة المتعلقة باختيار البذور وتخزينها، بينما يستطيع الشباب دعم التوثيق وتطبيق التقنيات الحديثة.
إن حماية الموارد الوراثية لا تعني العودة إلى الماضي أو رفض الأصناف المحسنة والتكنولوجيا، بل توظيف العلم دون التفريط بالمادة التي يقوم عليها التطور الزراعي. فالتقنيات تستطيع تحليل التنوع وتحديد الصفات الواعدة، لكنها لا تستطيع استعادة مورد وراثي فُقد قبل جمعه، أو معرفة محلية اختفت قبل توثيقها.
وفي زمن تتزايد فيه التقلبات المناخية، تصبح البذور رصيدًا استراتيجيًا للأمن الغذائي، لا مجرد مادة محفوظة في غرف التبريد. فكلما ارتبط الحفظ بالتقييم والبحث والاستخدام، تعززت قدرة الزراعة الأردنية على الصمود، واتسعت الخيارات المتاحة للأجيال المقبلة.