لقد فرضت هذه المنصات واقعًا جديدًا، أصبحت فيه الخوارزميات لاعبًا رئيسًا في تحديد ما يراه المواطن، وما يفكر فيه، وما يناقشه. فهي لا تعرض المحتوى بشكل عشوائي، وإنما وفق معايير تعتمد على الاهتمام والتفاعل، الأمر الذي يجعل بعض القضايا تتصدر المشهد بينما تختفي قضايا أخرى لا تقل أهمية عنها. وهنا تكمن الخطورة، إذ لم تعد الأولويات تُبنى دائمًا على المصلحة العامة، بل على ما يحقق أعلى نسب مشاهدة وتفاعل.
وأصبح من الواضح أن كثيرًا من المواطنين يتبنون مواقفهم استنادًا إلى ما يتداول عبر المنصات الرقمية، حتى قبل التحقق من صحة المعلومات أو معرفة مصادرها. فالإشاعة تنتشر بسرعة، والخبر المثير يسبق الحقيقة، والانفعال يطغى أحيانًا على التفكير العقلاني، مما يخلق حالة من الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع.
ولا يقتصر تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على القضايا السياسية، بل يمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة وحتى السلوك اليومي. فكم من حملة إلكترونية غيرت قرارًا رسميًا، أو دفعت مؤسسة إلى التراجع عن إجراء معين، أو صنعت شهرة لشخص مجهول، أو أسقطت سمعة آخر قبل صدور أي حكم أو دليل. وفي المقابل، نجحت هذه المنصات أيضًا في حشد المبادرات الإنسانية، وكشف قضايا الفساد، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وإيصال صوت الفئات التي لم تكن تجد منبرًا للتعبير.
لكن المشكلة لا تكمن في المنصات نفسها، وإنما في طريقة استخدامها، وفي غياب الوعي الإعلامي والرقمي لدى جزء من المستخدمين. فحين يتحول “الترند” إلى معيار للحقيقة، وعدد الإعجابات إلى مقياس للصواب، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للتضليل وصناعة الرأي الموجه.
كما أن بعض الجهات باتت تستثمر هذه المنصات للتأثير في اتجاهات الرأي العام، من خلال حملات منظمة، أو حسابات وهمية، أو إعلانات موجهة تستهدف شرائح محددة، وهو ما يجعل المواطن أمام كم هائل من الرسائل التي قد لا يدرك أهدافها الحقيقية.
إن التحدي اليوم لا يتمثل في محاربة شبكات التواصل الاجتماعي، فهذا أمر غير واقعي، وإنما في بناء مواطن يمتلك مهارات التفكير النقدي، ويتحقق من المعلومات قبل تداولها، ويفرق بين الرأي والخبر، وبين الحقيقة والدعاية. كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة باستعادة ثقة الجمهور عبر تقديم محتوى مهني سريع وموثوق، قادر على منافسة المحتوى المتداول في الفضاء الرقمي.
لقد أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي لاعبًا رئيسًا في إدارة المشهد العام، بل إنها في كثير من الأحيان تحرك بوصلة الاهتمام الشعبي، وتؤثر في القرارات والسلوكيات والمواقف. غير أن السؤال الأهم ليس: هل تتحكم هذه المنصات بالمشهد العام؟ بل: هل أصبحنا نحن من نمنحها هذه القدرة دون أن ندرك؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد مستقبل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. فإذا بقي المواطن مستهلكًا سلبيًا للمحتوى، ستظل الخوارزميات هي التي ترسم له خارطة اهتماماته. أما إذا امتلك الوعي والقدرة على الاختيار والتحليل، فستبقى هذه المنصات أدوات لخدمة الإنسان، لا وسائل لتوجيهه وصناعة قناعاته.