التسويق بين القيمة والإغراء

تاريخ النشر : الاثنين 11:41 29-6-2026
أ.د. هاني الضمور

شهدت صناعة التسويق والإعلان خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية في أساليب التأثير في المستهلك، حيث اتجهت كثير من الحملات الإعلانية إلى توظيف الجسد والإيحاءات الجنسية والإثارة العاطفية بوصفها وسائل فعالة لجذب الانتباه وتحفيز السلوك الشرائي. وقد أثبتت بعض الدراسات أن هذه الأساليب قد تحقق نتائج تسويقية آنية في بعض السياقات، إلا أن نجاحها التجاري يثير سؤالًا أكثر عمقًا يتجاوز حدود الكفاءة الاقتصادية، وهو: هل كل ما يحقق الربح يُعد تسويقًا مشروعًا من الناحية الأخلاقية؟

تكشف هذه الإشكالية عن خلل في جانب من الفكر التسويقي المعاصر، يتمثل في الفصل بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية. فقد أصبح النجاح في كثير من التطبيقات يُقاس بحجم المبيعات، والحصة السوقية، والعائد على الاستثمار، بينما تراجع الاهتمام بالآثار الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تتركها الرسائل الإعلانية في الأفراد والمجتمعات. وبهذا أصبح الإعلان، في بعض ممارساته، لا يقتصر على تسويق السلع والخدمات، بل يشارك في إعادة تشكيل منظومة القيم والذوق العام وأنماط السلوك.

إن الإعلان الذي يعتمد على الإثارة الجسدية لا يروج للمنتج بقدر ما يراهن على استثارة الغرائز والانفعالات الإنسانية. وبدلًا من مخاطبة عقل المستهلك وإقناعه بقيمة المنتج وجودته، يتحول الاهتمام إلى جذب الانتباه بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن كان ذلك على حساب الكرامة الإنسانية أو سلامة البيئة الثقافية. وفي هذه الحالة يصبح الإنسان هدفًا للتأثير النفسي أكثر منه شريكًا واعيًا في عملية التبادل الاقتصادي.

ولا يتعلق النقاش هنا برفض الإبداع الإعلاني أو الحد من حرية الاتصال التسويقي، بل بإعادة طرح سؤال المسؤولية. فالتسويق ليس نشاطًا اقتصاديًا معزولًا عن المجتمع، وإنما هو مؤسسة اجتماعية تؤثر في تشكيل الاتجاهات، وبناء الصور الذهنية، وصياغة المعايير الثقافية. وكل رسالة إعلانية، وكل صورة، وكل رمز، يترك أثرًا تراكميًا في وعي الأفراد، خصوصًا لدى الأطفال والشباب، وهو ما يمنح الإعلان دورًا يتجاوز حدود الترويج التجاري.

ومن هذا المنطلق، يقدم المنظور الإسلامي إطارًا أخلاقيًا متكاملًا يقوم على احترام الإنسان، وصيانة كرامته، وحماية الأسرة، وتعزيز الحياء، ومنع استغلال الغرائز لتحقيق مكاسب مادية. ولا تقتصر هذه المبادئ على كونها أحكامًا دينية، بل تعكس رؤية حضارية تجعل الإنسان غايةً للتنمية لا وسيلةً للربح، وتؤكد أن النشاط الاقتصادي ينبغي أن يظل منضبطًا بمنظومة من القيم التي تحفظ التوازن بين الحرية والمسؤولية.

لقد روّجت بعض الاتجاهات في الفكر التسويقي لفكرة أن استخدام الإيحاءات الجنسية يمثل أسلوبًا علميًا فعالًا لزيادة الانتباه وتعزيز المبيعات. وحتى إذا ثبتت فعالية بعض هذه الأساليب في تحقيق أهداف تجارية قصيرة الأجل، فإن الفعالية وحدها لا تمنح أي ممارسة مشروعيتها الأخلاقية. فالتاريخ الاقتصادي مليء بممارسات حققت مكاسب كبيرة، لكنها ألحقت أضرارًا عميقة بالأفراد أو بالمجتمعات. ومن ثم، فإن معيار الحكم على الممارسة التسويقية لا ينبغي أن يقتصر على الربحية، وإنما يجب أن يشمل أثرها في الإنسان وفي البيئة الاجتماعية والثقافية التي تعمل ضمنها.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه علم التسويق اليوم لا يتمثل في ابتكار وسائل أكثر قدرة على التأثير، بل في بناء نموذج يحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية. فنجاح الأسواق لا يقاس فقط بحجم الاستهلاك، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء الثقة، وتعزيز العدالة، واحترام الإنسان، والحفاظ على التماسك الاجتماعي. وكلما نجح التسويق في تحقيق هذا التوازن، ازداد إسهامه في التنمية المستدامة واستقرار المجتمعات.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من نموذج “التسويق بالإغراء” إلى نموذج “التسويق بالقيمة”؛ نموذج يجعل جودة المنتج، وصدق الرسالة، واحترام عقل المستهلك، وبناء العلاقات طويلة الأمد، هي الأسس التي يقوم عليها النجاح التسويقي، بدلاً من الاعتماد على الإثارة المؤقتة أو توظيف الجسد بوصفه أداة لجذب الانتباه.

إن الدعوة إلى بناء نظرية أخلاقية للتسويق مستمدة من القيم الإسلامية لا تعني رفض التطور أو معاداة الإبداع، بل تمثل محاولة لإعادة التوازن إلى علم أصبح، في بعض تطبيقاته، شديد التركيز على المنفعة الاقتصادية، مع إغفال كافٍ لأثره الحضاري والإنساني. فالمطلوب ليس استبدال الكفاءة بالأخلاق، وإنما دمجهما في إطار نظري واحد يجعل النجاح الاقتصادي مسؤولًا، ويجعل الإعلان وسيلة لبناء الثقة قبل أن يكون وسيلة لزيادة المبيعات.

ولعل المرحلة المقبلة تتطلب ظهور مدرسة جديدة في الفكر التسويقي، ترى أن الإنسان هو محور العملية التسويقية، وأن القيمة تسبق الإغراء، وأن المسؤولية توازي الربحية، وأن الأسواق المزدهرة لا تُبنى فقط على المنافسة، بل أيضًا على الثقة والكرامة واحترام الإنسان. فالمجتمعات لا تنهض بالإعلانات التي تستثير الغرائز، وإنما بالرسائل التي ترتقي بالوعي، وتعزز القيم، وتخدم الإنسان بوصفه الغاية الأولى لكل نشاط اقتصادي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }