في ظل التحولات الجيوسياسية والرقمية المتسارعة، لم يعد بناء السردية الوطنية ترفاً ثقافياً، بل أصبح مشروعاً استراتيجياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتماسك المجتمعي والقوة الناعمة للدولة. فالأردن اليوم، وهو يخطو بثقةٍ نحو مئويته الثانية، يحتاج أكثر من أي وقتٍ مضى إلى مأسسة روايته التاريخية والسياسية، لتكون مرجعاً موثقاً يحمي الهوية الوطنية الجامعة ويحصنها ضد محاولات التشويه أو التغييب.
إن بناء هذه السردية لا يتم عبر الخطب أو الجهود الفردية، بل يتطلب عملاً مؤسسياً طويل الأمد، قائماً على التخطيط والتوثيق والشراكة المجتمعية. من هنا، تبرز الحاجة الماسة لإطلاق مبادرة وطنية متكاملة ترتكز على دعامتين أساسيتين: المجلس الوطني للسردية الأردنية والصندوق الوطني لدعم السردية الأردنية.
يناط بالمجلس الوطني للسردية مهمة رسم الإطار الفكري والمعرفي للسردية الأردنية، وتنسيق الجهود بين المؤسسات الوطنية، و يهدف إلى تقديم رواية متوازنة وشاملة لتاريخ الدولة الأردنية وتطورها السياسي والاجتماعي والثقافي. كما يتولى توثيق الذاكرة الوطنية، وإبراز قصص النجاح، وصون التراث، وتوجيه الجهود البحثية والإعلامية والتعليمية نحو تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
ولضمان استدامة هذه الرؤية، يأتي دور الصندوق الوطني لدعم السردية. فالحفاظ على الذاكرة الوطنية وإنتاج المعرفة وتوثيق التاريخ يتطلب موارد مالية مستقرة. يمكن لهذا الصندوق أن يُبنى على شراكة وطنية واسعة بين الدولة، البنوك، الشركات الكبرى، ورجال الأعمال، إيماناً بأن الاستثمار في الهوية الوطنية لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية أو التنمية الاقتصادية. كل فيلم وثائقي، وكل مشروع لتوثيق الذاكرة الشفوية، وكل دراسة علمية، يمثل استثماراً مباشراً في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الوعي الجمعي.
إن العلاقة بين المجلس والصندوق تكاملية؛ فالمجلس يضع الرؤية والأولويات، بينما يوفر الصندوق الموارد اللازمة لتحويل تلك الرؤية إلى برامج ومبادرات ملموسة، مما يضمن الاستمرارية والفاعلية، ويتطلب نجاح هذه المنظومة إشراك جميع مكونات المجتمع الأردني، من جامعات ومراكز بحث ومؤسسات ثقافية وإعلامية، وصولاً إلى أبناء المحافظات والبوادي والأرياف والمخيمات. فالسردية الوطنية الحقيقية تُنسج من مجموع الحكايات والتجارب التي شكلت مسيرة الوطن.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن بناء السردية الوطنية مشروع استراتيجي يرتبط بالتماسك المجتمعي، وتعزيز الثقة بالدولة، وحماية الوعي العام من التشويه. وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، تزداد الحاجة إلى رواية وطنية موثقة تخاطب الأجيال الجديدة بلغة العصر.
ختاماً، فإن مأسسة السردية الوطنية عبر مجلسٍ وصندوقٍ متخصصين هي الخطوة الاستراتيجية نحو تحويل الذاكرة الأردنية إلى قوةٍ دافعة للتنمية والانتماء. إننا لا نستدعي الماضي لنقف عنده، بل لنستمد منه اليقين بصلابة الدولة وقدرة إنسانها على الإنجاز رغم التحديات، فهي قصةُ وطنٍ آمن برسالة الحق والعدل، وحان الوقت لنوثق هذه الرسالة لتكون منارةً للأجيال القادمة، وشهادةً حية على عظمة المسيرة الأردنية.