يكفي أن نجلس في مطعم أو مجلس عائلي لنلاحظ مشهدًا يتكرر باستمرار؛ أفراد الأسرة يجلسون حول طاولة واحدة، لكن كلاً منهم منشغل بشاشته الخاصة. ورغم القرب الجسدي، يتراجع الحوار الحقيقي والتفاعل الإنساني الذي شكّل لعقود إحدى أهم ركائز الأسرة الأردنية.
وتزداد خطورة الأمر عندما ينتقل استخدام الهاتف إلى الطريق. فمشاهدة السائقين وهم يرسلون الرسائل أو يتصفحون وسائل التواصل الاجتماعي أثناء القيادة أصبحت ظاهرة مألوفة. وتشير الدراسات إلى أن استخدام الهاتف أثناء القيادة يشتت الانتباه ويؤخر الاستجابة للمخاطر، ما يزيد احتمالية وقوع الحوادث والإصابات. وهنا تتحول المسألة من سلوك فردي إلى قضية تتعلق بالسلامة العامة والصحة المجتمعية.
ولا يقتصر التأثير على الحوادث المرورية. فالدراسات المتزايدة تشير إلى أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي قد يرتبط بمشكلات صحية ونفسية واجتماعية متعددة، بما في ذلك اضطرابات النوم والقلق والعزلة الاجتماعية وتراجع جودة العلاقات الأسرية. وقد دفعت هذه الآثار العديد من المؤسسات الصحية والبحثية إلى التحذير من التداعيات المحتملة للاستخدام المفرط للشاشات، خاصة بين الأطفال والمراهقين.
والقضية لا تتعلق فقط بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل أيضًا بنوعية المحتوى الذي نتعرض له. فبينما يتيح العالم الرقمي فرصًا هائلة للتعلم والمعرفة، فإنه يفتح الباب كذلك أمام الشائعات والمعلومات المضللة وخطابات الكراهية والاستقطاب. ومع مرور الوقت، قد تؤثر هذه الرسائل في طريقة تفكير الأفراد، وتضعف الحوار داخل الأسرة، وتؤثر في الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع.
ومن منظور الصحة العامة، فإن المجتمع الصحي لا يُقاس فقط بانخفاض معدلات الأمراض، بل أيضًا بقوة العلاقات الاجتماعية وجودة التواصل بين أفراده. فالعزلة الاجتماعية والتوتر الأسري وضعف الروابط المجتمعية أصبحت جميعها من القضايا التي تحظى باهتمام متزايد لدى المختصين في الصحة العامة حول العالم.
لسنا بحاجة إلى التخلي عن الهواتف الذكية، بل إلى استعادة التوازن في استخدامها؛ بإغلاق الهاتف أثناء القيادة، وتخصيص أوقات للحوار الأسري بعيدًا عن الشاشات، وتعليم الأبناء كيفية التحقق من المعلومات وتمييز المحتوى المفيد من المضلل.
فإذا كانت التكنولوجيا قد قرّبت المسافات بين المدن والدول، فعلينا أن نحرص على ألا تخلق مسافات جديدة بين أفراد الأسرة الواحدة. فالشاشات قد تقترب منا أكثر فأكثر، لكن مسؤوليتنا أن تبقى علاقاتنا الإنسانية أقرب وأقوى.