يرى كثير من المؤرخين أن الدولة العثمانية، بوصفها إطارًا جامعًا للمسلمين، بدأت تفقد معناها الحقيقي بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909، ثم انتهى وجودها الرسمي بإلغائها عام 1924. فقد مثّل عبد الحميد رمزًا للجامعة الإسلامية، وسعى إلى حفظ وحدة المسلمين في مواجهة التوسع الاستعماري الغربي. لكن سقوطه أفسح المجال أمام جمعية الاتحاد والترقي، التي تبنّى قادتها نهجًا قوميًّا متشددًا، ابتعد كثيرًا عن روح الدولة الجامعة.
عاشت الولايات العربية في تلك المرحلة تحت وطأة سياسات أثقلت كاهلها. فهناك محاولات لفرض اللغة التركية في الإدارة والتعليم والقضاء، في وقتٍ شعر فيه العرب أن هويتهم الثقافية مهددة. كما اتجهت الدولة إلى مسار علماني أقلق شرائح واسعة من العلماء والمفكرين والمحافظين. وزاد الأمر توترًا ما قام به جمال باشا، الملقب بـ"السفاح"، حين أعدم عددًا من قادة الفكر العربي في دمشق وبيروت عامي 1915 و1916، في مشهدٍ ترك جرحًا عميقًا في الوجدان العربي، وكان من أبرز الشرارات التي مهّدت للثورة.
لم تكن الثورة العربية الكبرى ردّ فعلٍ لحظة غضب عابرة، بل جاءت نتيجة سنوات من الوعي والتنظيم والعمل السياسي السري. فقد ظهرت جمعيات عربية مثل العربية الفتاة والعهد، إلى جانب حزب اللامركزية الإدارية، وكانت هذه القوى تمثل نواةً مبكرة للصحوة العربية. وفي مؤتمر باريس عام 1913، طرح ممثلو هذه الحركات مطالب واضحة تتعلق باللغة العربية والحقوق السياسية والإصلاح الإداري، تعبيرًا عن رفضهم للاستبداد الاتحادي.
ثم جاءت خطوة لافتة حين أرسل أحرار العرب في سوريا بروتوكول دمشق إلى الشريف حسين بن علي، طالبين منه قيادة الثورة. وهذه الإشارة، في نظر كثيرين، تؤكد أن الثورة لم تكن مشروعًا مستوردًا، بل خرجت من داخل البيئة العربية نفسها، وعبّرت عن تطلعات أبنائها.
من هذا المنظور، لا تبدو الثورة العربية الكبرى ثورةً على الإسلام، ولا على الخلافة بمعناها الروحي، بقدر ما كانت اعتراضًا على حكمٍ قومي متشدد استغل اسم الخلافة، لكنه مارس القهر والتهميش بحق العرب. كانت الثورة، في جوهرها، صرخة دفاع عن الكرامة والهوية واللغة، ومحاولة لاستعادة مكانة العرب في دولة لم تعد تمثلهم كما ينبغي.
وهكذا، فإن قراءة الثورة بإنصاف تكشف أنها لم تكن خيانةً للدين أو للأمة، بل كانت تعبيرًا عن إرادة عربية أرادت أن تحمي لغتها وثقافتها وحقها في المشاركة والحرية، في زمنٍ كان يتغير فيه كل شيء بسرعة.