تعيش منطقة الشرق الأوسط اليوم على صفيح ساخن، حيث تتصاعد وتيرة التوترات بين المحور الإسرائيلي-الأمريكي من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لتنذر بمواجهة شاملة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في المنطقة. إن استشراف المستقبل في ظل هذه التعقيدات يتطلب قراءة متأنية وموضوعية للسيناريوهات المحتملة، بعيدا عن العواطف والانفعالات اللحظية، لفهم التداعيات العميقة على الأمن القومي العربي عموما، والأردني على وجه الخصوص.
في هذا المقال، نستعرض سيناريوهين متناقضين يمثلان أقصى درجات التصعيد، ونطرح التساؤلات المشروعة حول موقع الأردن الاستراتيجي وكيفية تحصين جبهته الداخلية والخارجية في مواجهة ارتدادات هذه الزلازل الجيوسياسية.
السيناريو الأول: انهيار إسرائيل وتمدد النفوذ الإيراني
يفترض هذا السيناريو أن تؤدي الحرب الشاملة إلى استنزاف غير مسبوق للقدرات الإسرائيلية، وربما انهيار هيكل الدولة العبرية تحت وطأة ضربات صاروخية مكثفة وحرب استنزاف طويلة الأمد تقودها إيران وأذرعها الإقليمية.
عربيا وإقليميا: سيؤدي هذا السيناريو إلى زلزال جيوسياسي غير مسبوق. فمن ناحية، سيتعزز النفوذ الإيراني بشكل دراماتيكي، لتصبح طهران القوة المهيمنة بلا منازع في المشرق العربي، ممتدة من طهران عبر بغداد ودمشق وصولا إلى بيروت وصنعاء. هذا التمدد سيضع دول الخليج العربي أمام تحد وجودي، حيث ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوة إقليمية منتصرة وطامحة لفرض شروطها على أمن الخليج ومنابع الطاقة.
دوليا: سيمثل هذا السيناريو ضربة قاصمة للنفوذ الأمريكي والغربي في الشرق الأوسط. ستفقد واشنطن أهم حلفائها الاستراتيجيين، مما سيفتح الباب أمام قوى دولية أخرى، كالصين وروسيا، لملء الفراغ وإعادة صياغة النظام الدولي والإقليمي. كما أن أمن الطاقة العالمي سيتعرض لتهديدات غير مسبوقة، مما قد يدخل الاقتصاد العالمي في ركود عميق.
السيناريو الثاني: سقوط النظام الإيراني وهزيمة طهران
في المقابل، يفترض السيناريو الثاني نجاح التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في توجيه ضربات قاصمة للبنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية، مما يؤدي إلى انهيار النظام في طهران وتفكك شبكة حلفائه في المنطقة.
عربيا وإقليميا: سيشكل هذا السيناريو نقطة تحول لصالح المحور الغربي وحلفائه في المنطقة. دول الخليج العربي ستشهد انفراجة أمنية كبيرة بزوال التهديد الإيراني المباشر، مما سيعزز من استقرارها الداخلي ويدفع بعجلة التنمية الاقتصادية. في المقابل، ستواجه الأنظمة والميليشيات المحسوبة على إيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن أزمة بقاء حقيقية، حيث ستفقد غطاءها الاستراتيجي ومصدر تمويلها وتسليحها، مما قد يؤدي إلى حروب أهلية جديدة أو إعادة دمج قسري لهذه المكونات في دولها الوطنية.
دوليا: سيعزز هذا الانتصار من الهيمنة الأمريكية الأحادية على الشرق الأوسط، ويؤمن تدفق الطاقة العالمية بأسعار مستقرة. كما سيمنح إسرائيل تفوقا استراتيجيا مطلقا، مما قد يدفعها لفرض شروط قاسية في أي تسويات سياسية مستقبلية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، متجاوزة مبادرة السلام العربية وحل الدولتين، ومحاولة فرض سياسة الأمر الواقع.
الأردن في عين العاصفة: سياسة التوازن والبقاء
يقع الأردن جغرافيا وسياسيا في قلب هذه التحولات العاصفة. وبحدوده الممتدة مع سوريا والعراق وفلسطين، وتركيبته الديموغرافية، وتحالفاته التاريخية، يجد نفسه مطالبا بصياغة استراتيجية بقاء مرنة وذكية تضمن سلامته في كلا السيناريوهين، وتؤكد على ثوابته الوطنية.
لضمان هذه السلامة، يجب على صانع القرار الأردني تبني سياسة "الحياد الإيجابي والردع الدفاعي"، والتي ترتكز على المحددات التالية:
أولا: تحصين الجبهة الداخلية
إن التوافق الوطني والالتفاف حول القيادة الهاشمية هو خط الدفاع الأول والأهم. ويتطلب ذلك تعزيز المشاركة السياسية، ومعالجة التحديات الاقتصادية بشفافية، ومنع أي محاولات لاختراق النسيج المجتمعي أو استغلال التعاطف الشعبي النبيل مع القضايا القومية لخدمة أجندات خارجية تسعى لزعزعة الاستقرار.
ثانيا: تنويع الخيارات الاستراتيجية
رغم الأهمية القصوى للتحالف التاريخي مع الولايات المتحدة والغرب، يجب على الأردن الحفاظ على قنوات اتصال نشطة ومفتوحة مع كافة القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الصين وروسيا، لضمان عدم ارتهان أمنه الوطني لمحور واحد قد تتغير أولوياته وفقا لمصالحه الخاصة.
ثالثا: تعزيز القدرات الدفاعية والاستخباراتية
الاستمرار في تحديث القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) والأجهزة الأمنية، مع التركيز على أمن الحدود ومنظومات الدفاع الجوي، وتوجيه رسالة حازمة بأن سماء الأردن وأرضه لن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ممرا للأسلحة والميليشيات لأي طرف كان.
رابعا: الدبلوماسية الاستباقية واللاءات الأردنية
قيادة جهد عربي معتدل يسعى لخفض التصعيد، والتأكيد المستمر على أن حل القضية الفلسطينية حلا عادلا وشاملا يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة هو المدخل الوحيد للاستقرار الإقليمي، مع التمسك الحازم باللاءات الأردنية ضد أي مشاريع للتهجير أو الوطن البديل.
تساؤلات مشروعة للمستقبل
وبصفتي مراقبا للشأن العام، أطرح هذه التساؤلات التي يجب أن تشغل بال كل استراتيجي عربي في هذه المرحلة المفصلية:
هل تمتلك الدول العربية، وتحديدا دول الطوق والخليج، خطة طوارئ مشتركة للتعامل مع موجات اللجوء أو الانهيار الاقتصادي في حال اندلاع حرب إقليمية شاملة؟
في حال انهيار إسرائيل، كيف سيتعامل النظام الرسمي العربي مع الفراغ الأمني وترسانة الأسلحة غير التقليدية في المنطقة؟
وفي حال هزيمة إيران، هل ستستغل إسرائيل نشوة النصر لتصفية القضية الفلسطينية نهائيا عبر مشاريع التهجير التي طالما حذر منها الأردن وتصدى لها؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات لا تحتمل التأجيل، فالتاريخ لا يرحم من يكتفي بدور المتفرج حين تعاد صياغة الجغرافيا. الأردن، بحكمته وتاريخه، قادر على تجاوز هذه العاصفة، شريطة أن نبقى يقظين، موحدين، ومدركين لحجم المخاطر التي تحيط بنا.
في لحظات التحول الكبرى، لا تنجو الدول التي تنتظر وضوح الصورة، بل تلك التي تتحرك رغم ضبابيتها. الأردن لا يحتاج إلى تغيير موقعه، بل إلى تعزيز قدرته على البقاء فيه بثبات. فالخطر الحقيقي ليس في قوة الآخرين، بل في أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح بلا قواعد ولا سقوف ولا ضمانات. وحينها، لن يكون السؤال: من انتصر؟ بل: من بقي قادرا على الصمود؟
* أمين عام سابق.