في وداع هذا العام، لا نقف على عتبة عام جديد بقلوبٍ مرهفة بالتفاؤل، ولا نطوي صفحةً عادية من التاريخ، فنحن نودّع عامًا مثقلاً بالدم والخراب والأسئلة الثقيلة، عامًا رأينا فيه غزة تُقصف حتى كادت تُمحى ملامحها، لا حجارتها فقط بل بشرها، ذاكرتها، بنيتها التحتية، ومعها كثير من المعاني التي كنا نظنها ثابتة: معنى القانون الدولي، وحرمة المدنيين، وجدوى الضمير العالمي. وفي الوقت نفسه، استمرت الحرب في أوكرانيا، وتوسعت بؤر الصراع في مناطق أخرى من العالم، حتى بات العنف لغةً عالمية، لا استثناء فيها لقارة أو شعب.
ليس هذا فحسب. فبينما تنشغل القوى الكبرى بحروب النفوذ والسلاح، يتقدّم الخطر الأبطأ والأشد فتكًا: الاحتباس الحراري. كوكب الأرض يسخن، الجليد يذوب، الغابات تحترق، والمياه تشحّ، فيما يبدو العالم وكأنه عاجز أو غير راغب في اتخاذ قرارات جذرية. المفارقة القاسية أن الذين سيدفعون الثمن الأكبر هم أولئك الذين لم يسهموا أصلًا في صناعة هذه الكارثة: الفقراء، سكان الجنوب العالمي، الأجيال القادمة.
وفي خضم هذا كله، يتراجع دور الأمم المتحدة، ليس لأن الحاجة إليها قلت، بل لأن الإرادة السياسية لدعمها تآكلت. تخفيض التمويل، وتهميش القرارات، والاستخفاف بالقانون الدولي، جعل من المنظمة التي وُلدت بعد حرب عالمية كبرى أضعف من أن تمنع تكرار المأساة، أو حتى أن تسمي الأشياء بأسمائها. في المقابل، يزداد عدد سكان العالم، وتتسع الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتنامية، وكأن البشرية تمضي بخطى ثابتة نحو اختناق جماعي، اقتصاديًا وديموغرافيا وبيئيًا وأخلاقيًا.
أمام هذا المشهد، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: إلى أين؟ وهل يحق لنا أصلًا أن نتفاءل بسنة جديدة؟
التفاؤل هنا ليس سذاجة، ولا إنكارًا للواقع، ولا تعليقًا للأمل، فالتفاؤل الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن العالم يمر بأزمة عميقة، ليست أزمة أحداث متفرقة، بل أزمة نظام عالمي كامل: نظام يسمح باستمرار الاحتلال، ويشجع الطموح بالتوسع الاستعماري، ويكافئ القوة الغاشمة، ويتعامل مع الطبيعة كسلعة، ومع الإنسان كرقم. إن لم نسمِّ هذا الخلل باسمه، فإن كل حديث عن عام جديد بتفاؤل سيكون مجرد طقس لغوي فارغ.
ومع ذلك، فإن التاريخ، رغم قسوته، لا يخلو من مفارقات أمل. ففي أشد اللحظات ظلامًا، وُلدت حركات تنويرية، وتشكّل وعي جديد، وسقطت مسلّمات كانت تبدو أبدية. غزة، رغم الدمار، كشفت هشاشة الرواية الأقوى، وعرّت ازدواجية المعايير، وأيقظت ضمير أجيال شابة في العالم لم تعد تقبل الصمت، فقادت غرينا ثونبرغ أسطول الصمود لفك الحصار عن غزة وهي في عمر اثنتين وعشرين عاما.
أوكرانيا، بكل مأساتها، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول السيادة، والحدود، وثمن الحرب، وعدم جدواها.
والاحتباس الحراري، رغم بطء الاستجابة الرسمية، خلق وعيًا بيئيًا عالميًا متزايدًا بحق الطبيعة والتنوع الحيوي بالعدالة والاستدامة، خصوصًا لدى الشباب.
لعل ما يحق لنا على أعتاب العام الجديد ليس التفاؤل الساذج، بل الأمل العنيد. أملٌ لا ينتظر المعجزات من فوق، بل يراهن على تراكم الوعي، وعلى قدرة الإنسان، حين يُدفع إلى الحافة، أن يعيد التفكير في مساره. سنة جديدة لن تكون أفضل تلقائيًا، ولن تحمل الخلاص لمجرد أنها جديدة. لكنها قد تكون فرصة: فرصة لمراجعة القيم، لإعادة الاعتبار للعدالة، للإنسان، وللكوكب.
نودّع هذا العام ونحن أقل براءة، وأكثر وعيًا. نودّعه مثقلين بالحزن، نعم، لكن أيضًا بسؤال مفتوح: ماذا سنفعل بكل ما عرفناه واختبرناه لغاية الآن؟ فإن كان لنا أن نتفاءل، ليكن تفاؤلًا مسؤولًا وواقعيا لمستقبل أفضل، رغم شراسة التحديات.