في المقابل، بلغ إجمالي التسهيلات الائتمانية نحو 35 مليار دينار خلال النصف الأول من عام 2025، ما يعني أن نسبة القروض إلى الودائع تدور حول 74%. وهذه النسبة، وإن كانت مريحة من منظور الاستقرار المالي، تعني عمليًا أن قرابة ربع الودائع يبقى موزعًا بين الاحتياطيات والسيولة الإلزامية والاستثمارات منخفضة المخاطر.
وعند النظر إلى توزيع الائتمان، تتضح فجوة هيكلية أعمق. إذ تُظهر بيانات البنك المركزي أن الجزء الأكبر من التسهيلات يتركز في قطاعات التجارة العامة والإنشاءات وتمويل الحكومة، في حين بقي تمويل القطاعات الإنتاجية المرتبطة بالموارد الوطنية محدودًا نسبيًا. فعلى الرغم من تضاعف الائتمان المحلي من أقل من 7 مليارات دينار مطلع الألفية إلى نحو 48 مليار دينار في عام 2025، لم تتجاوز حصة قطاعي الزراعة والتعدين مجتمعين 2% من إجمالي الائتمان، مقابل مليارات الدنانير الموجهة إلى قطاعات أقل قدرة على توليد قيمة مضافة طويلة الأجل.
ولا تكمن الإشكالية في غياب التمويل طويل الأجل بحد ذاته، بل في وجهة هذا التمويل، الذي يذهب في معظمه إلى أنشطة استهلاكية أو تجارية أو إلى تمويل الدين العام، ما يحدّ من الأثر التنموي للسيولة المتاحة ويُبقي النمو الاقتصادي دون إمكاناته الحقيقية.
في هذا السياق، تبرز أهمية تطوير أسواق رأس المال وتشجيع الاكتتابات الأولية، لا سيما في الشركات العاملة في القطاعات الاستراتيجية والموارد الوطنية. فالاكتتابات تشكّل قناة تمويل بالملكية لا بالدين، وتخفف الضغط عن الجهاز المصرفي، وتوزّع المخاطر، وتمنح المواطنين فرصة المشاركة المباشرة في عوائد الاستثمار بدل بقاء مدخراتهم مجمّدة في الحسابات البنكية.
كما أن إدراج شركات منتجة في سوق رأس المال يعزز معايير الحوكمة والشفافية، ويرفع كفاءة تخصيص الموارد، ويوفر تمويلًا طويل الأجل لمشاريع لا يستطيع القطاع المصرفي وحده تحمّل مخاطرها. ويأتي هذا التوجه مكمّلًا لدور البنوك في تمويل رأس المال العامل والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، لا بديلًا عنه.
وقد طُرحت هذه الرؤية مؤخرًا في جلسة حوارية اقتصادية متخصصة نظمتها جامعة آل البيت، ناقشت دور الاكتتابات الأولية في تنشيط سوق عمّان المالي، وأكدت أن السوق يمتلك بنية تنظيمية وتشريعية وتقنية متقدمة، مقابل حاجة ملحّة لرفع جاهزية الشركات من حيث الحوكمة والإفصاح والتسعير العادل.
الخلاصة أن أموال الأردنيين موجودة، والسيولة متوافرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الوجهة. وبين الودائع والاكتتابات فرصة اقتصادية حقيقية لتحويل المدخرات إلى استثمار منتج، وتعزيز مشاركة المواطن في الاقتصاد، وبناء نموذج تنموي أكثر استدامة وعدالة.