في سياق يتسم بتعاظم التحديات الإقليمية وتباطؤ النمو العالمي، يواصل الاقتصاد الأردني تسجيل تحولات مهمة على صعيد البيانات الاقتصادية، كان أبرزها إعلان دائرة الإحصاءات العامة عن تحديث شامل للحسابات القومية خلُص إلى رفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023 إلى 39.8 مليار دينار، بزيادة 3.6 مليار دينار عن التقديرات السابقة، أي ما نسبته 10%من حجم الاقتصاد.
هذه الخطوة لا تعبّر عن نمو مفاجئ، بل عن تحسين جوهري في منهجية القياس يجعل الصورة الاقتصادية أكثر دقة وواقعية، ويعكس التزام الدولة بتطوير أدوات التخطيط الاقتصادي وفق أفضل الممارسات الدولية. وهي خطوة تنسجم مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني الهادفة إلى تحديث بنية الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قرارات تستند إلى بيانات دقيقة وموثوقة.
بحسب دائرة الإحصاءات، جاءت الزيادة نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية: تحديث سنة الأساس إلى 2023 بما يعكس التغيرات الهيكلية في الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، تحسين التغطية الإحصائية وإدراج جزء أكبر من الاقتصاد غير الرسمي الذي يشكّل بين 15–20% من النشاط الاقتصادي، واستخدام مسوح محدثة وربط البيانات الإدارية من الوزارات والمؤسسات الرسمية، ما أسهم في تقدير أدق لقطاعات رئيسية مثل الصناعة، النقل، الإنشاءات، الطاقة، والعقارات. وهي منهجية اعتمدتها دول عديدة في المنطقة مثل السعودية، مصر، المغرب، والهند.
ويمثّل هذا التحديث ركيزة أساسية لتحسين السياسات المالية، إذ تعتمد الحكومة في إعداد الموازنة وتقدير الإيرادات والنفقات على حسابات قومية دقيقة. ومع ارتفاع الناتج تتحسن نسبة الدين إلى الناتج المحلي من مستويات تقارب 89% إلى مستويات أقرب إلى 82–84%، كما تتراجع نسبة العجز كنسبة من الناتج، وترتفع قدرة الأردن على جذب التمويل الميسر والاستثمارات الخارجية، ما ينعكس إيجابًا على استدامة المالية العامة.
كما تعكس البيانات المحدثة توجهًا نحو السياسات القائمة على الأدلة Evidence-Based Policy Making، التي تعتمد على قياس واقعي للقطاعات الأكثر قدرة على خلق النمو وفرص العمل. وتشير البيانات الجديدة إلى أن قطاعي التجارة والخدمات يشكّلان أكثر من 55%من الناتج المحلي، فيما تشكّل الصناعة نحو 16%، والزراعة حوالي 5%، وهي نسب تساعد الحكومة على توجيه الإنفاق بكفاءة أكبر وبما يتماشى مع أولويات رؤية التحديث الاقتصادي.
ورغم أن عملية التحديث تبدو فنية، إلا أن أثرها يمتد إلى حياة المواطن من خلال تحسين دقة برامج الدعم الاجتماعي وتوجيهها إلى مستحقيها، ورفع جودة الإنفاق على الخدمات العامة والبنية التحتية، وتعزيز البيئة الاستثمارية، خاصة في ظل ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أكثر من 1 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى 24 مليار دولار تكفي لتغطية أكثر من 7 أشهر من المستوردات، وتراجع الدولرة إلى 18.2%، وهي مؤشرات تدعم الاستقرار النقدي وتعزز القوة الشرائية.
كما يسهم تحديث الحسابات القومية في تعزيز الشفافية الاقتصادية، ويجعل بيانات الأردن أكثر اتساقًا مع المعايير الدولية، ويرفع مستوى الثقة لدى المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين. إن رفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي ليس مجرد تعديل تقني، بل خطوة إصلاحية جوهرية تكشف الحجم الحقيقي للاقتصاد الأردني، وتدعم مسار السياسات المالية والنقدية، وتعزز قدرة الدولة على التخطيط وفق بيانات موثوقة، بما يحقق الاستقرار والنمو ويخدم مصلحة المواطن في المقام الأول.